الشيخ عباس القمي
556
الكنى و الألقاب ( جامعة المدرسين )
لذلك ، وقصّته مشهورة ذكرها الدميري وابن خلّكان ، ونحن ننقلها هاهنا من ابن خلّكان : قال في ترجمة يمين الدولة السلطان ناصر الدولة محمود بن سبكتكين المتوفّى سنة 433 بغزنة نقلًا من كتاب مغيث الخلق في اختيار الأحقّ لإمام الحرمين الجويني : إنّ السلطان محمود المذكور كان على مذهب أبي حنيفة . وكان مولعاً بعلم الحديث ، وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه وهو يسمع . وكان يستفسر الأحاديث فوجد أكثرها موافقاً لمذهب الشافعي فوقع في خلده حكّة ، فجمع الفقهاء من الفريقين في مرو والتمس منهم الكلام في ترجيح أحد المذهبين على الآخر ، فوقع الاتّفاق على أن يصلّوا بين يديه ركعتين على مذهب الإمام الشافعي وعلى مذهب أبي حنيفة لينظر فيه السلطان ويتفكّر ويختار ما هو أحسنهما ، فصلّى القفّال المروزي بطهارة مسبغة وشرائط معتبرة من الطهارة والسترة واستقبال القبلة ، وأتى بالأركان والهيئات والسنن والآداب والفرائض على وجوه الكمال والتمام ، وقال : هذه صلاة لا يجوّز الإمام الشافعي دونها ، ثمّ صلّى ركعتين على ما يجوّز أبو حنيفة رضي الله عنه فلبس جلد كلب مدبوغاً ثمّ لطخ ربعه بالنجاسة وتوضّأ بنبيذ التمر ، وكان في صميم الصيف في المفازة واجتمع عليه الذباب والبعوض ، وكان وضوؤه منكساً منعكساً ، ثمّ استقبل القبلة وأحرم بالصلاة من غير نيّة في الوضوء ، وكبّر بالفارسيّة ثمّ قرأ آية بالفارسيّة « دو برگ سبز » ثمّ نقر نقرتين كنقرات الديك من غير فصل ومن غير ركوع وتشهّد ، وضرط في آخره من غير نيّة السلام وقال : أيّها السلطان هذه صلاة أبي حنيفة . فقال السلطان : لو لم يكن هذه الصلاة صلاة أبي حنيفة لقتلتك لأنّ مثل هذه الصلاة لا يجوّزها ذو دين ، فأنكرت الحنفيّة أن تكون هذه صلاة أبي حنيفة فأمر القفّال بإحضار كتب أبي حنيفة ، وأمر السلطان نصرانيّاً كاتباً يقرأ المذهبين جميعاً فوجدت الصلاة على مذهب أبي حنيفة على ما حكاه القفّال ، فأعرض السلطان عن مذهب أبي حنيفة ، وتمسّك بمذهب الشافعي - رضي اللَّه عنهما - « 1 » انتهى .
--> ( 1 ) وفيات الأعيان 4 : 267 - 268 ، الرقم 648