الشيخ عباس القمي
489
الكنى و الألقاب ( جامعة المدرسين )
فلاسفة المسلمين ، ولم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه . والرئيس أبو عليّ بن سينا بكتبه تخرَّج ، وبكلامه انتفع في تصانيفه ، وكان تركيّاً نشأ في بلدة فاراب ، ثمّ خرج من بلده ، وانتقلت به الأسفار إلى أن وصل إلى بغداد ، ثمّ اشتغل بعلوم الحكمة ، وأخذ عن أبي بشر الحكيم وهو يقرأ كتاب أرسطاطاليس في المنطق ، ويملي على تلامذته شرحه ، ثمّ ارتحل إلى مدينة حرّان وأخذ عن يوحنّا بن جيلان الحكيم النصراني طرفاً من المنطق أيضاً ، ثمّ قفل راجعاً إلى بغداد وقرأ بها علوم الفلسفة ، وتناول جميع كتب أرسطاطاليس وتمهّر في استخراج معانيها والوقوف على أغراضه فيها . يروى عنه أنّه سئل من أعلم الناس بهذا الشأن أنت أم أرسطاطاليس ؟ فقال : لو أدركته لكنت أكبر تلامذته . ويقال : إنّه وجد كتاب النفس لأرسطاطاليس وعليه مكتوب بخطّ الفارابي : إنّي قرأت هذا الكتاب مائة مرّة . وله قصّة مشهورة من وروده على السلطان سيف الدولة بزيّ الأتراك قبل أن يعرفه أحد ، وكان مجلسه مجمع الفضلاء ، فتخطّى رقابهم حتّى جلس في مسند سيف الدولة ، وتكلّم بلسان مماليك سيف الدولة - وكان لساناً مخصوصاً - ثمّ أخرج من خريطته عيداناً وركّبها ثمّ لعب بها فضحك منها كلّ من كان في المجلس ، ثمّ ركّبها تركيباً آخر فضرب بها فبكى كلّ من حضر ، ثمّ غيّر تركيبها فنام كلّ من في المجلس حتّى البوّاب ، ثمّ تركهم نياماً وخرج . ويحكى أنّه كان منفرداً بنفسه لا يجالس الناس ، وكان مدّة مقامه بدمشق لا يكون غالباً إلّا عند مجتمع ماء أو مشتبك رياض ، ويؤلّف هناك كتبه ويتناوبه المشتغلون عليه . وكان أزهد الناس في الدنيا لا يحتفل بأمر مكسب ولا مسكن ، وأجرى عليه سيف الدولة كلّ يوم من بيت المال أربعة دراهم ، وهو الّذي اقتصر عليها لقناعته ، ولم يزل على ذلك إلى أن توفّي بدمشق سنة 339 ( شلط ) وقد ناهز ثمانين سنة ، وصلّى عليه سيف الدولة في أربعة من خواصّه ودفن بظاهر دمشق خارج الباب الصغير . والفارابي : نسبة إلى فاراب ، وهي مدينة فوق شاش قريبة من مدينة بلاساعون بفتح الموحّدة بلدة في بعض ثغور الترك وراء نهر سيحون بالقرب من كاشغر ، وكاشغر - بسكون الشين وفتح الغين المعجمتين - وهي من المدن العظام في تخوم الصين « 1 » .
--> ( 1 ) وفيات الأعيان 4 : 239 - 242