الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
35
تنقيح المقال في علم الرجال
--> - فقال معاوية : إنّ أرضنا أرض مقدّسة . فقال له صعصعة : إنّ الأرض لا يقدّسها شيء ولا ينجسها ، إنّما تقدّسها الأعمال ، فقال معاوية : عباد اللّه اتّخذوا اللّه وليّا ، واتّخذوا خلفاءه جنّة تحترزوا بها ، فقال صعصعة : كيف وكيف ؟ وقد عطّلت السنّة ، وأخفرت الذمّة . . فصارت عشواء مطلخمة ، في دهياء مدلهمّة ، قد استوعبتها الأحداث ، وتمكّنت منها الأنكاث ، فقال له معاوية : يا صعصعة ! لأن تقسي على ظلعك خير لك من استبراء رأيك ، وإبداء ضعفك - تعرّض بالحسن بن علي [ عليه السلام ] - ولقد هممت أن أبعث إليه ، فقال له صعصعة : أي واللّه وجدتهم أكرمكم جدودا ، وأحياكم حدودا ، وأوفاكم عهودا ، ولو بعثت إليه فلوجدته في الرأي أريبا ، وفي الأمر صليبا ، وفي الكرم نجيبا ، يلذعك بحرارة لسانه ، ويقرعك بما لا تستطيع إنكاره ، فقال له معاوية : واللّه لأجفينك عن الوسادة ، ولأشردنّ بك في البلاد ، فقال له صعصعة : واللّه إنّ في الأرض لسعة ، وإنّ في فراقك لدعة ، فقال له معاوية : واللّه لأحبسنّك عطائك ، قال : إن كان ذلك بيدك فافعل ، إنّ العطاء وفضائل النعماء في ملكوت من لا تنفذ خزائنه ، ولا يبيد عطاؤه ، ولا يحيف في قضيته ، فقال له معاوية : لقد استقتلت ، فقال له صعصعة : مهلا ، لم أقل جهلا ، ولم أستحلّ قتلا ، لا تقتل النفس التي حرّم اللّه إلّا بالحق ، ومن قتل مظلوما كان اللّه لقاتله مقيما ، يرهقه أليما ، ويجرعه حميما ، ويصليه جحيما ، فقال معاوية لعمرو ابن العاص : اكفناه ، فقال له عمرو : وما تجهمّك لسلطانك ؟ فقال له صعصعة : ويلي عليك يا مأوى مطردي أهل الفساد ، ومعادي أهل الرشاد . . فسكت عنه عمرو . حكميّات صعصعة قال في تهذيب تاريخ ابن عساكر 6 / 428 - 429 : وقال له معاوية : ما المروءة ؟ قال : الصبر والصمت ، فالصبر على ما ينوبك ، والصمت حتى تحتاج إلى الكلام . وقيل له : ما السداد فيكم ؟ فقال : إطعام الطعام ، ولين الكلام ، وبذل النوال ، وكفّ المرء نفسه عن السؤال . وقيل له : مالمروءة ؟ قال : أخوان إذا اجتمعا ظهرا ، وإن لقيا قهرا ، حارسهما قليل ، يحتاجان إلى حياطة مع نزاهة ، فقيل له : هل تحفظ في ذلك شعرا ؟ قال : نعم قول مرّة -