الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
20
تنقيح المقال في علم الرجال
--> - فقال علي [ عليه السلام ] : « عزمت عليك - يا صعصعة ! - إلّا كتبت الكتاب بيدك ، وتوجّهت به إلى معاوية ، واجعل صدر الكتاب تحذيرا وتخويفا ، وعجزه استتابة واستنابة ، وليكن فاتحة الكتاب : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، من عبد اللّه علي أمير المؤمنين إلى معاوية : سلام عليك ، أمّا بعد . . ثمّ اكتب ما أشرت به عليّ ، واجعل عنوان الكتاب : أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [ سورة الشورى ( 42 ) : 53 ] ، قال : اعفني من ذلك ، قال : « عزمت عليك لتفعلنّ » قال : أفعل . فخرج بالكتاب وتجهّز وسار حتى ورد دمشق ، فأتى باب معاوية ، فقال لآذنه : استأذن لرسول أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - وبالباب أزفلة من بني اميّة ، فأخذته الأيدي والنعال لقوله ، وهو يقول : أتقتلون رجلا أن يقول ربّي اللّه . . وكثرت الجلبة واللغط ، فاتّصل ذلك بمعاوية فوجّه من يكشف الناس عنه ، فكشفوا ، ثمّ أذن لهم فدخلوا - فقال لهم : من هذا الرجل ؟ فقالوا : رجل من العرب يقال له : صعصعة بن صوحان معه كتاب من عليّ [ عليه السلام ] ، فقال : واللّه ! لقد بلغني أمره ، هذا أحد سهام علي ، وخطباء العرب ، ولقد كنت إلى لقائه شيّقا ، أئذن له يا غلام ! فدخل عليه ، فقال : السلام عليك يا بن أبي سفيان ، هذا كتاب أمير المؤمنين ، فقال معاوية : أما إنّه لو كانت الرسل تقتل في الجاهليّة أو الإسلام لقتلتك . . ثمّ اعترضه معاوية في الكلام وأراد أن يستخرجه ليعرف قريحته أطبعا أم تكلّفا . . [ ومن هنا نقله في تهذيب تاريخ ابن عساكر 6 / 427 إلّا أنّه أضاف في آخره قول معاوية لصعصعة : يا بن صوحان ! واللّه ، إن كنت لأبغض أن أراك خطيبا ، قال : إنّي واللّه إن كنت لأبغض أن أراك أميرا . . وأسقط جملا متعددة عمّا هنا ] . فقال : ممّن الرجل ؟ قال : من نزار ، ثمّ ساءله عن أجداده . . إلى أن قال : قال : ويحك يا بن صوحان ! فما تركت لهذا الحي من قريش مجدا ولا فخرا ، قال : بلى واللّه ، يا بن أبي سفيان ! تركت لهم ما لا يصلح إلّا بهم ، ولهم ، تركت الأبيض والأحمر ، والأصفر والأشقر ، والسرير والمنبر ، والملك إلى المحشر ، وأنّى لا يكون ذلك كذلك وهم منار اللّه في الأرض ، ونجومه في السماء . ففرح معاوية وظنّ أنّ كلامه يشتمل على قريش كلّها ، فقال : صدقت يا بن صوحان ! إنّ ذلك لكذلك ، فعرف صعصعة ما أراد ، فقال : ليس لك ولا لقومك في ذلك إصدار ولا إيراد ، بعدتم عن انف المرعى ، وعلوتم عن عذب الماء . -