الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )

289

تنقيح المقال في علم الرجال

أصابتهم في الدنيا وضيعة ، إنّهم يحيون بكتاب اللّه الموتى ، ويبصرون بنور اللّه من العمى ، كم من قتيل لإبليس قد أحيوه ، وكم من تائه ضالّ قد هدوه ، يبذلون دماءهم دون هلكة العباد ، وما أحسن أثرهم على العباد ، وأقبح آثار العباد عليهم » . أقول : إنّ ترحّمه عليه السلام عليه في موضعين ، يدلّ على جلالته وقوّة ديانته ، ووفور تقواه ، بل خطابه عليه السلام إيّاه بقوله : « يا أخي ! » يدلّ على عظم قدره عنده ؛ لأنّه لا يكون أخاه عليه السلام إلّا إذا التزم بأعلى درجات التقوى والإيمان ، ولا داعي له عليه السلام إلى المجاز ، ولا يحتمل فيه التقية ؛ لاشتماله على التعريض بالقدح على العامّة . بل قيل : إنّ في آخر الأوّل ما هو صريح في عدم اتّقائه منه ، بل اتّقاؤه له عن الناس ، قال عليه السلام : « اعلم أنّ إخوان الثقة ذخائر بعضهم لبعض ، ولولا أن تذهب بك الظنون عنّي لجليت لك عن أشياء غطّيتها ، ولنشرت لك أشياء من الحق كتمتها ، ولكنّي أتقيك وأستبقيك ، وليس الحليم الذي لا يتّقي أحدا في مكان التقوى ، والحلم لباس العالم فلا تعره ، والسلام » . انتهى . وقد زعم بعضهم كشف هذه الفقرة عن أنّه اتّقاه ، ولكن من رزقه اللّه تعالى فهم ألحانهم ، يفهم أنّه ما اتّقاه ، بل اتّقى عليه ، كما يكشف عن ذلك قوله عليه السلام : « وأستبقيك . . » فخاف عليه السلام إن بيّن له بعض ما إذا بيّنه هو للغير يقتلوه ، فترك البيان استبقاء له ، وحفظا لدمه ، كما لا يخفى . وكيف كان ؛ ففي هذه الأخبار دلالة على كون الرجل إماميا مؤمنا متّقيا جليلا ، وخبر مثله ينبغي أن يعدّ في الصحاح ، فإن أبى عن ذلك الاصطلاح ، فلا أقلّ من عدّه من الحسان المعتمدة كالصحاح ، واللّه العالم .