الشيخ عبد الله المامقاني ( العلامة الثاني )
257
تنقيح المقال في علم الرجال
وكان بينه وبين عثمان مشاجرة في مسألة من مسائل الزكاة ، فتحاكما عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، فحكم لأبي ذرّ على عثمان . . إلى أن قال قدّس سرّه : [ وروي ] لمّا اشتدّ إنكار أبي ذر على عثمان في بدعه وأحداثه ، نفاه إلى الشام ، فأخذ في النكير على عثمان ومعاوية في أحداثهما ، وكان يقول : واللّه إني لأرى حقا يطفأ ، وباطلا يحيا ، وصادقا مكذّبا ، وأثرة بغير تقى ، وصالحا مستأثرا عليه . فكتب معاوية إلى عثمان : إنّ أبا ذر قد صرف قلوب أهل الشام وبغضك إليهم . فما يستفتون غيره ، ولا يقضي بينهم إلّا هو . فكتب إلى معاوية : أن احمل أبا ذر على ناب « 1 » صعبة وقتب ثمّ ابعث من ينجش به نجشا عنيفا ، حتى يقدم به علي . . إلى آخره .
--> - علما عجز فيه ، وكان شحيحا حريصا ؛ شحيحا على دينه ، حريصا على العلم ، وكان يكثر السؤال فيعطى ويمنع ، أما أن قد ملئ له في وعائه حتى امتلائه فلم يدروا ما يريد بقوله [ عليه السلام ] : « وعى علما عجز فيه » ، أعجز عن كشف ما عنده من العلم ، أم عن طلب ما طلب من العلم إلى النبي صلى اللّه عليه وآله وسلّم . هكذا رواه سعد بلفظ سئل مبنيا للمجهول . والظاهر أنّ قوله عليه السلام : « عجز الناس عنه » ، أنّه تعلّم علما كثيرا ووعى معارف جمّة عجز أن يعيها غيره ممّن هو مثله . وقوله عليه السلام : « ثم أوكأ عليه ولم يخرج شيئا منه » ، أي أنّ ذلك العلم الذي وعاه كان ممّا لا تطيق حمله عقول الناس ، ولا تتحمل نفوسهم التصديق به ، فلذلك كتمه عنهم وستره عن أسماعهم . ويظهر منه أن ذلك العلم كان من الأخبار بالحوادث المستقبلة والمغيبات والفتن التي سوف تحدث بعد صاحب الرسالة صلى اللّه عليه وآله وسلّم ، ولما كان جلّ الناس منحرفين عن أهل البيت عليهم السلام لم يجد مساغا للإظهار ، أو أنّ عقول الناس كانت عاجزة عن حمل تلك العلوم ، ونفوسهم آبية عن تصديقها . . وإلّا فهو يعلم بالمناهي الواردة لكاتم العلم ! ( 1 ) في الحجرية : باب ، وهو خطأ .