أحمد تيمور باشا
12
أعلام المهندسين في الإسلام
الأبحاث طبقات لمهندسينا تقوم مقام المفقود من طبقاتهم وهو في نظري أقل ما نكافئ به فئة رفعت رؤوسنا بما رفعته من قواعد العمران . ولا بد لنا قبل الشروع فيما قصدناه من الإشارة إلى ما يزعمه بعض قاصرى الاطلاع أو من أعمت الشعوبية بصائرهم من قصور العرب في غير الشرعيات واللسانيات من العلوم ، واستدلالهم على قصورهم في الهندسة باستعامة الوليد بن عبد الملك في أبنيته بصناع من الروم وذلك لبيان أنه زعم لا نصيب له من الصحة واستدلال مبنى على استقراء ناقص ، لأن العرب في صدر دولتهم كانوا قوما متبدّين ، شغلهم الفتح عن الالتفات إلى وسائل التحصر ، وصرفهم جملة إلى الضرب في البلاد ، ثمّ إلى النظر في تمكين ملكهم الجديد وتوطيده . فما يروى من استعانتهم حينئذ بمعاصرتهم في بعض الفنيات لم يكن إلا عن تلك الحالة الملازمة بالضرورة لكل قوم حديثي الانتقال من البداوة ، لم ينفضوا أيديهم بعد من الفتوح . ولكنهم لما ألقوا عصا التسيار ، واطمأنت بهم الدار ، لم يلبثوا أن نشطوا للفتح الثاني وهو الفتح العلمي ، فأتوا في الفتحين على قصر بما لم يسبق له مثيل في الأمم السالفة . وكان من ذلك أنهم ملكوا ناصية العلم كما ملكوا ناصية العالم « 1 » وأحدثوا له مدنية خاصة صبغوها بصبغتهم ووسموها بميسهم في كل مظهر من مظاهرها . وأبقوا لهم الأثر البين فيما نقلوه من علوم الأوائل إما بالتنقيح والتهذيب أو الزيادة والاختراع . فكان للهندسة من هذا الأثر تجليها في فرع البناء بذلك الطراز العربي البديع الآخذ بالأنظار المشاهد فيما خلّفوه من الآثار . وحدث في هذا الفرع من التفنن ما لم يكن معروفا ، كالبناء الحيري الذي أحدثه المتوكل العباسي في قصوره ، فجعل تخطيطها على مثال تعبئة الجيوش ، تشتمل على رواق فيه الصدر وهو مجلس
--> ( 1 ) رأى الرشيد سحابة كان الناس يرجون أمطارها فلم تمطر فنظر إليها وقال : « أمطرى حيث شئت والخراج لي » وهو عين ما نعبر عنه اليوم بقولنا : الشمس لا تغيب عن أملاك بعض الدول .