محمد بن جعفر الكتاني
70
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
منهم : شيخ الشافعية ، وإمام الصوفية ، العلامة المحقق ؛ أبو عبد اللّه محمد ( فتحا ) بن سالم الحفناوي . لقيه بمصر ، وصحبه ، وأخذ عنه الطريق الخلوتية . وصحب بفاس - أولا - الولي الكامل ، العارف الواصل ؛ أبا عبد اللّه [ 53 ] محمد العربي بن أحمد ابن عبد اللّه معن الأندلسي ، وسلب له الإرادة ، وألقى إليه قياده . وقد عده من أصحابه : الشيخ التاودي في فهرسته . ثم صحب بعده القطب الأكبر ، مولانا أحمد الصقلي . واعتمد عليه ، واستند في طريق الكمال إليه . وكان من كبار أصحابه ، الذين ظهرت عليهم بركته ، ونالتهم عطفته ومودته . ولما توفي مولاي أحمد المذكور ؛ تأهل حينئذ للمشيخة ، وأقبل كثير من الناس إليه ، فصار يربيهم ويؤدبهم ، ويعلمهم ويهذبهم . وكان من أهل الطريقة الخلوتية بهذه الحضرة البهية ، ذا رسوخ وكمال وتمكين ، وهدي وصلاح مبين . عارفا واصلا موصلا ، متقشفا كاملا ، يهتدى بأسراره ، ويستضاء بأنواره ، يذكر اللّه عزّ وجل لرؤيته ، وتزول ظلمات الشكوك والأوهام عند طلوع شمس غرته . وكان غريقا في بحر الوحدة ، وفي بحر محبته عليه الصلاة والسلام ؛ يجلب القلوب بحلاوة لسانه . عارفا بالطريق وأهلها ، ورعا زاهدا ، ناسكا عابدا ، قريب الدمعة ، تعتريه الأحوال كثيرا في حال الذكر والمذاكرة . ويحب الفقراء والمساكين ، رؤوفا بهم ، محسنا إليهم ، وإن لم يكن عنده شيء ؛ أخذ من الأغنياء ، وأعانهم ، وودهم . وكانت فيه دعابة مليحة . وله دكان بالعطارين الكبرى ، يبيع فيه المداد وغيره . وكان يقف عنده فيه الصالحون وأهل الخير . واتفق أن جاءه يوما الشريف البركة الصوفي سيدي محمد بن علي الزيادي ليشتري منه المداد ، فوجد بعض الفقراء واقفا عنده ، فلما دفع له الدواة ليجعل فيها المداد ؛ قال له الفقير المذكور : « ما عندنا مداد ، ما عندنا مداد ! » . فقال له صاحب الترجمة : « بلى ؛ مددنا موجود ! » . فقال الفقير لسيدي محمد : « اسمع ما يقول هذا » . وقبض الدواة في يده ، وقال له : « لا أعطيكها حتى تجاوبه عن مقالته ! » . فأخذ سيدي محمد بطاقة وكتب فيها - في الحين - كلاما ملحونا جوابا عن مقالته المذكورة ، ودفعها إليه ، فقال له : « اقرأها علي ! » . فقرأها عليه . فقام قائما ، وجعل يدور في الحانوت ويقول : « مددنا موجود ! » . فأخذ سيدي محمد دواته وانصرف . وكان - رضي اللّه عنه - لا ينسب شيئا لنفسه ، ومن تعلق به واتهمه ؛ يشير لأصحاب مولاي أحمد الصقلي . وكان إذا انفرد عنهم ؛ يتكلم مع من يتعلق به بلسان التربية والأدب والتهذيب . وإذا كان في وسطهم حين يجتمعون ؛ يكون كواحد منهم .