محمد بن جعفر الكتاني

44

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

ثم ارتحل بقرب قدومه إلى الولي الكبير ، العارف باللّه الشهير ، صاحب الكرامات الظاهرة ، والمكاشفات الباهرة ؛ الضرير أبي محمد عبد اللّه ابن الولي الصالح الحسين بن أحمد بن الحسين ابن ناصر الدرعي ؛ القاطن بدرعة محل أسلافه ، المتوفى عام ثلاثة ومائتين وألف . فزاره ، وأخذ عنه ، وانتفع به ، واغترف من بحره ، ونال منه غاية وطره . وهو شيخه الذي تربى به وتأدب ، وتكمل عليه وتهذب ، وكان صاحب الترجمة يثني عليه كثيرا ، ويقول : « إنه من نظراء الشيخ أبي الحسن الشاذلي وأمثاله » . وذكر أنه سأله يوما عن مسألة ؛ فقال له : « سل عنها جدك ! » . قال : « فلم أستطع أن أراجعه [ 32 ] بقولي : ومن لي بذلك ؟ . ثم إني رأيت في نوم خفيف طرأ علي وأنا راكب خلفه : النبي صلّى اللّه عليه وسلم ، وشيخي أبو محمد واقف وهو يقول لي : سل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ! » . ثم حج صاحب الترجمة مرة ثانية ، وزار قبر المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم ، وجاور بالحرمين الشريفين ما يقرب من ثمانية أشهر ، ولقي جماعة من أهل الفضل والدين . وأخذ الطريقة النقشبندية وهو بالمدينة عمن له معرفة بها . ثم رجع إلى وطنه مستمرا على حاله من الزهد في الدنيا والرغبة في الآخرة ، ولزوم العبادة ، وقيام الليل بالتهجد ، وكثرة الذكر والتلاوة ، وكان يؤم بجامع الأبارين من حارة قيس . وكان له فيه مجلس درس ليلا في فصل الشتاء ؛ يقرأ فيه " المرشد " أو " الرسالة " أو شمائل الترمذي . وكان يواظب على زيارة القطب مولانا عبد السلام ، والولي سيدي أبي علي - المدفون حوز قرية صفرو - مرة في كل سنة . وكان يثني على سيدي أبي علي المذكور بعلو المقام ، وجلالة القدر . ثم رحل للحج مرة ثالثة سنة تسع ومائتين وألف ، فحج وزار ، ورجع إلى فاس ، وبقي على حالته . . . إلى أن توفي بالوباء الكبير عام ثلاث عشرة ومائتين وألف ، ودفن بهذا الخارج بروضته الشهيرة ؛ وهي ذات السور الكبير عن يمين الطريق الذاهبة لسيدي أبي القاسم الوزير . ترجمه قريبه مولاي الوليد العراقي في " الدر النفيس " ، وصاحب " الإشراف " . [ 901 - الحافظ النحوي الشريف سيدي إدريس بن زيان العراقي ] ( ت : 1228 ) ومنهم : أخوه العالم العلامة ، الدراكة المدرس الفهامة ، الحافظ المشارك ، الذي لم يعقه عن دائرة التحقيق متدارك ؛ سيبويه زمانه ، وسيد علماء أوانه ؛ أبو العلاء سيدي إدريس بن زيان العراقي .