محمد بن جعفر الكتاني

261

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

ومن كراماته : ما حدثني به بعض الثقات من الأشراف ، وسمعت ذلك من غيره - أيضا - عن الشريف البركة سيدي محمد بن الحفيد الدباغ ، أنه : ذهب مرة لزيارة صاحب الترجمة مع شخصين آخرين بداره بفاس الجديد ، إذ انتقل إليها في أواخر عمره ، بعد ما كان يسكن - أولا - بدرب أهل تادلا من طالعة فاس ، فقال أحدهم - وهم في الطريق ذاهبين إليه - : ما اشتهيت على سيدي أبي القاسم إلا طعام كذا ، وقال الثاني : ما اشتهيت أنا عليه إلا طعام كذا - لطعام آخر - وقال الثالث - وهو : الشريف المذكور - : أما أنا ؛ فلا أشتهي عليه شيئا ، وإنما أزوره للّه . فلما وصلوا إليه وجلسوا بين يديه ؛ رحب بهم ، ثم دعا جارية له بالطعام الذي اشتهاه الأول ، ثم دعاها ثانيا بالطعام الذي اشتهاه الثاني ، ثم لما أرادوا الخروج عنه ؛ أعطاهم فاتحة « 1 » وقال لهم : « يا ساداتي ؛ إنه لا يغلبنا ويتصرف فينا إلا من زارنا للّه ! » ، فبهتوا من ذلك ، وتعجبوا من صدق فراسته ومعاملته كل واحد منهم بما نواه وقصده من زيارته . وكان له - رحمه اللّه - أصحاب كثيرون وأتباع ، وتلامذة عظيمة وأشياع ، وكان مأذونا له في تربية الخلق ، ودعائهم إلى الملك الحق ، فكان يأتيه الناس كثيرا بقصد الزيارة له ، والتبرك به ، وأخذ الأوراد عنه . وكان له وردان ؛ أحدهما : كبير ؛ يعطيه لأهل العلم والمتفرغين من الأشغال ، والآخر : قصير ؛ يعطيه للعوام ، ولمن له شغل . والقصير مأخوذ من الطريقة الناصرية ؛ أخذه عن الولي [ 211 ] الصالح سيدي محمد بن محمد في بلاد البربر ، في قرية يقال لها : تناغملة ، كان هذا السيد بها ، وكانت له فضائل وكرامات كثيرة . وفتح اللّه على صاحب الترجمة في آخر عمره بدنيا كثيرة ؛ فكان يصرفها في وجوه الخير ؛ من إطعام الطعام وغيره . وكان يرى النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - كثيرا ، ويبشره ببشارات له ولأصحابه ، وكذلك كثير من الناس من أصحابه وغيرهم ؛ كان يرى مرائي تدل على ذلك ، وقد قيد هو وبعض أصحابه ممن كان من أهل العلم البعض منها . وكان كثير المواساة للفقراء ، والمساكين والغرباء ، كثير الشفقة على عباد اللّه أجمعين ، محافظا على صدق الوعد . وكان يأمر أهله بالصلاة والزكاة ، وبتعليم المحتاج إليه من أمر الدين ، حتى إنه اتخذ لبناته وأهله امرأة تحفظ القرآن وشيئا من أمور الدين ، لتعلمهن ذلك ، وناولها مع ذلك كتاب " ابن عرضون " ؛ لتعلمهن بعض ما اشتمل عليه من الأمور التي يخاطب بها النساء . واتخذ معه في داره حماما ليلا يحتاج أهله للخروج لحمامات الأسواق ؛ لما يعلم من أنهن يكن فيه متجردات . . إلى غير ذلك من المناهي التي تقع فيه . وأحواله - رضي اللّه عنه - عظيمة ، ومناقبه جسيمة .

--> ( 1 ) أي : رفعوا أكفهم لقراءة سورة الفاتحة بنية الدعاء ، كما هي العادة في ختم مجالس الخير .