محمد بن جعفر الكتاني
234
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
قال ابن خلدون في " العبر " : « وكان أيام امتحانه بالسجن يتوقع مصيبة الموت ؛ فتهجس هواتفه بالشعر يبكي نفسه ، ومما قال في ذلك : بعدنا وإن جاورتنا البيوت * وجئنا بوعظ ونحن صموت وأنفاسنا سكنت دفعة * كجهر الصلاة تلاه القنوت وكنا عظاما فصرنا عظاما * وكنا نقوت فها نحن قوت وكنا شموس سماء العلا * عز بنا فناحت علينا السماوات فكم جدلت ذا الحسام الظبا * وذو البخت كم خذلته البخوت وكم سيق للقبر في خرقة * فتى ملئت من كساه التخوت فقل للعدى ذهب ابن الخطيب * وفات ومن ذا الذي لا يفوت ؟ ! فمن كان يفرح منكم له * فهل يفرح اليوم من لا يموت ؟ ! » وذكر في " أزهار الرياض " ، وفي " نفح الطيب " أنه : رأى تخميسا على هذه الأبيات لبعض بني الصباغ ، ولكنه زاد فيها بعض أبيات على ما ذكره ابن خلدون . قال في " الأزهار " : « وها أنا أثبته تتمة للفائدة » . ه . ثم ذكره . ونحوه في " النفح " ، فانظره فيهما . وكانت وفاته - رحمه اللّه - فاتح عام ستة وسبعين وسبعمائة . وحكى غير واحد أنه : ريء في المنام بعد موته ، فقيل له : « ما فعل اللّه بك ؟ » . فقال : « غفر لي بسبب بيتين ؛ وهما : في الوسادة » . ففحص عنهما ؛ فإذا بورقة فيها مكتوب : يا مصطفى من قبل نشأة آدم * والكون لم تفتح له الأغلاق أيروم مخلوق ثناءك بعد ما * أثنى على أخلاقك الخلاق ؟ ! قال في " نفح الطيب " : « وقد زرت قبره مرارا - رحمه اللّه - بفاس المحروسة ، فوق باب المدينة ؛ الذي يقال له : باب الشريعة . وهو يسمى الآن : باب المحروق ، وشاهدت موضع دفنه غير مستو مع الأرض ، بل ينزل إليه بانحدار كثير . ويزعم الجل من عوام فاس أن الباب المذكور : إنما سمي بباب المحروق لأجل ما وقع من حرق لسان الدين به حين أخرجه بعض أعدائه من حفرته كما مر . وليس كذلك ؛ وإنما سمي باب المحروق من دولة الموحدين قبل أن يوجد لسان الدين ولا أبوه ، بسبب ثائر ثار على الدولة ، فأمسك وأحرق في ذلك المحل . واللّه غالب على أمره . وحصل لي من الخشوع والحزن عند زيارة قبره - رحمه اللّه - ما لا مزيد عليه . جعل اللّه له تلك المحن كفارة ، وطهارة ؛ فإنه كان آية اللّه علما وجلالة ، وحكمة وشهرة » . ه . وضريحه الآن عليه حوش صغير ، بمقابلة من روضة سيدي عبد النور ، يفصل بينهما : الطريق الممرور عليها لظهر الخميس [ 190 ] .