محمد بن جعفر الكتاني

206

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

كان - رحمه اللّه - من أكابر أصحاب الشيخ أبي محمد عبد الكريم بن عمر الحاحي المراكشي ؛ المعروف بالفلاح ؛ خليفة الشيخ التباع عند أهل مراكش . وكان له عقل ودهاء وديانة . وكان على مطبخة الشيخ عبد الكريم ووكيله على إطعام الطعام ، فلما آلت المشيخة له ؛ كان ذلك أفضل القرب عنده ، فكان له في ذلك ما هو خارج عن طور العادة . قال في " الدوحة " : « حدثني بعض الفضلاء من أصحابه [ 168 ] أن : كل واحدة من قدور مطبخته الكبرى يطبخ فيها الثور والثوران في مرة ، ويذبح في كل يوم البقر والغنم والإبل ، وعنده بلاط واسع مجصص ، يبرد فيها الكسكسو بالألواح كما يفعل بصابة الزرع عند التذرية والتصفية ، والعجب أن : له على كل نوع من أنواع الطعام وكيلا مخصوصا ، فإذا قال : علي بفلان . يأتيه في الحين بكل ما يكون من ذلك النوع ؛ إما مشويا أو مطبوخا ، أو فاكهة أو عسلا أو سكرا . . . على جميع الطبخ ، وذلك في كل وقت من ليل أو نهار على الدوام » . « ولما بعد صيته ، وكثرت أتباعه ، وتحدث الناس عنه بالكرامات ؛ وقع في نفس السلطان أبي عبد اللّه محمد الشيخ منه شيء حذرا على الملك ؛ فأمره بإخلاء زاويته والرحيل من مراكش إلى فاس ، فوصلها وسكن في دار ملاصقة لمسجد القرويين ، وكان لا يرى الصلاة فيه ؛ لانحراف محرابه عن أدلة القبلة ، وكان يقول لأصحابه : إن اللّه يخرج هذا السلطان من داره في هذه السنة كما أخرجني من داري . ثم كان خروج السلطان المذكور من ملكه بفاس في تلك السنة ؛ وهي : سنة ستين ، في شهر المحرم منها ، مزعجا بسبب حركة أبي حسون المريني إليه مع صاحب الجزائر : صالح باشا التركماني » . « ولما دخل أبو حسون إلى فاس ؛ قال أصحاب الشيخ : الآن نذهب إلى مراكش مع سيدنا . فقال لهم أما أنتم ؛ فتمشون إليها عن قريب ، وأما أنا فمقيم بفاس . فبعد سبعة أيام تطهر ولبس ثيابه ، وركب فرسا وخرج على باب البلد إلى ناحية المستقى ، على قدر ثلاثة أميال من فاس ، ولم يترك أحدا من أصحابه يمشي معه سوى رجلين ، حتى وصل المستقى ، فنزل إلى الأرض وقعد ، وإذا بجملة فرسان من محاربي عرب " أنجاد " وصلوا إليه وقالوا له : انزع ثيابك ! . وهم لا يعرفونه . فجرد ثيابه وطرحها ، ولم يبق إلا السراويل . فقال له أحدهم : انزع السراويل ! . فقال : إن اللّه نهى عن كشف العورة ! . فطعنه برمح في بطنه كانت منيته منه . ولما حمل جريحا إلى داره ؛ قيل له : لأي شيء ركبت إلى ذلك الموضع ؟ . فقال : للشهادة التي أمرت بالنهوض إليها ! » . « وتوفي - رحمه اللّه - في السنة المذكورة ، في أول صفر منها ، وقبره بجبل العرض . لقيته بفاس ، وتكلمت معه ، وطلبت منه الدعاء ؛ فدعا لي بخير ، وكان أسود اللون ، ضخما بطينا - رحمة اللّه عليه » . انتهى كلامه في " الدوحة " .