محمد بن جعفر الكتاني

16

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وأخبرني - أيضا - أن بعض الرؤساء ممن كان بفاس مر بصاحب الترجمة يوما ، فقال له : « ائتني بشاشية ! » . فأتاه بها ؛ فقال له : « إذا بقي الرأس ؛ لم يعدم شاشية ! » « 1 » . فذهب الرئيس لحاله غير عارف بما أشار له به . ثم إنه بعد ذلك بمدة قريبة نهبت داره ، وأخذ ما فيها ، وطلب للقتل ، فنجاه اللّه منه ومن الإصابة في بدنه بشيء يسوؤه ، وانجبر حاله بعد ذلك ، وصدق قول صاحب الترجمة له : « إذا بقي الرأس لم يعدم شاشية » . وأخبرني بعض أبناء عمنا عن والد له أنه : أخبره أنه كان مرة مارا ببعض طرق فاس ، وإذا بصاحب الترجمة جاءه من وراء ظهره ، وضربه بيده على ظهره ضربة عظيمة أوجعه بها . وانصرف . قال : « فذهبت إلى مولانا إدريس رضي اللّه عنه ، وشكوت به إليه ، فلما كان الغد ؛ خرجت إلى السوق ، فبينما [ 11 ] أنا ذاهب ؛ إذا به قد انحط على رجلي يقبلهما ويقول : يا سيدي ؛ سامحني للّه ، واللّه ما قصدتك ولا عرفتك ، وما كان ذلك إلا غلطا مني واشتباها بغيرك ، وإن جدك مولانا إدريس أعطاني الليلة مائتي سوط في مقابلة تلك الضربة ! . قال : فسامحته وانصرفت ، وعلمت أنه من أهل الخير » . وكان - رضي اللّه عنه - يقول : « جيت ندوي ؛ قالوا لي : اسكت . جيت نبهز ؛ قالوا لي : ارص ! . قلت لهم : كيف يكون ؟ ! « 2 » . قالوا لي : هذا الناس ؛ ما هم غير ذا الطوّيس والكوّيس والفريش » . يشير بذلك إلى حال الزمان وأهله . تداركنا اللّه عزّ وجل بلطفه . . . آمين . وكراماته كثيرة ، وهي مشهورة في ألسنة الناس . توفي - رحمه اللّه - في الحادي والعشرين من صفر الخير سنة إحدى وتسعين ومائتين وألف ، ودفن بالروضة المذكورة ، أمام صاحب الترجمة قبله ، متصلا به ، ليس بينهما إلا جبهة بناء . [ 856 - الصالح الشريف مولاي الفضيل بن محمد العمراني ] ( ت : 1244 ) ومنهم : السيد الجليل ، الماجد الأصيل ، البركة الشريف ، الفخر المنيف ، الخير الصالح ، الولي الناصح ، الطود الرباني ؛ أبو الفيض مولاي الفضيل بن محمد بن عبد الملك الحسني الإدريسي الجوطي العمراني .

--> ( 1 ) الشاشية نوع من أنواع الطواقي تلف عليه العمامة . ومعنى المثل : إذا بقي أصل الشيء لم يعدم فرعه . ( 2 ) ندوي : أتكلم . نبهز : ادفع . ارص : كف أو توقف . وهي بالعامية المغربية .