محمد بن جعفر الكتاني

98

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

كان - رحمه اللّه - علامة باهرا ، ونجما في السيادة زاهرا ، يهتدى بأنواره ، ويستضاء بأحاديثه وأخباره ، محققا لجميع العلوم ، غواصا [ 78 ] على دقائق الإدراكات والفهوم ، مولعا بالإتقان والتحرير ، معروفا بالبلاغة وحسن التقرير ، خاضعا خاشعا ، حسن الأخلاق متواضعا ، يغمض عينيه إذا جلس على المنصة للتدريس ، ويغوص على الجوهر واللؤلؤ والدر النفيس ، مطرزا مجالسه بحكايات رائقة ، في عبارات فائقة . أخذ بفاس عن سيدي حمدون ابن الحاج وغيره ، وبغيرها عن الولي الصالح سيدي أبي طالب المازوني وغيره . وولي القضاء بتلمسان في مدة الأتراك ، ثم هرب منه ومنها لما رأى جريان الأحكام الشرعية مجرى القانون العقلي ، واستوطن فاسا ، ثم لما صارت تلمسان من أيالة المغرب الأقصى ؛ رجع إليها واستوطنها ، ثم لما هجم عليها العدو الكافر ودخلها - وذلك سنة إحدى وخمسين ومائتين وألف - هرب منها بأهله وعياله ، وترك جميع كتبه وماله ، ورجع إلى فاس ، ثم انتقل منها - لضيق المعيشة عليه بها - إلى تازة ، وأقام بها يدرس العلم ويفتي مدة ، وقلد الإمامة والخطابة بمسجدها الأعظم . ثم رجع إلى فاس عام اثنين وستين ، وكان له بها مجالس حفيلة ؛ انتفع به فيها جماعة من نجباء الوقت وعلمائه ؛ كسيدنا الوالد وغيره . حتى توفي - رحمه اللّه - عشية يوم الخميس سابع وعشري محرم الحرام سنة أربع وستين ومائتين وألف ، ودفن من الغد ؛ وهو : يوم الجمعة ، بعد الصلاة عليه بجامع الأندلس ، داخل قبة سيدي علي ابن حرزهم ، أسفل الشباك الذي عن يمين الداخل ، وذلك بأمر مولوي ، ونودي على شهود جنازته ؛ فشهدها خلق كثير ، وجم غفير . . . رحمه اللّه ونفعنا به . [ 955 - السلطان مولاي الرشيد بن الشريف العلوي ] ( ت : 1082 ) ومنهم : السلطان الجليل ، الماجد الأصيل ، مفضال أهل البيت النبوي ، ومظهر الفخر الطاهر العلوي ، بدر الظلام ، وظل اللّه للخاص والعام ، ركن الفخار المشيد ؛ أبو المكارم مولانا الرشيد ابن السيد الجليل العفيف ؛ أبي الوفا مولانا الشريف الحسني العلوي النجار ، السجلماسي المنزل والدار . قال في " التقاط الدرر " : « كان - رحمه اللّه - من ليوث الإقدام ، وبدور الظلام ، رحم اللّه به الضعفاء والمساكين ، وقطع به دابر العتاة الطاغين ، وقد جبل على شيم مرضية ، وهمم علية ؛ كمجالسة العلماء وإكرامهم ، ومباسطتهم بين الملإ وإعظامهم . وله مآثر عظيمة ، وفضائل كريمة ؛ كبناء