محمد بن جعفر الكتاني
83
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
« قال تلميذه الشيخ عبد الواحد الونشريسي : هو شيخنا الإمام الأثير ؛ السيد أبو عبد اللّه ابن غازي رحمه اللّه . كان إماما مقرئا ، مجودا صدرا في القراءات ، متقنا فيها ، عارفا بوجوهها . وعللها والراجح منها ، طيب النغمة ، قائما بعلم التفسير والفقه والعربية ، متقدما فيها ، عارفا بوجوهها ومتقدما في الحديث ، حافظا له ، واقفا على أحوال رجاله ، وطبقاتهم ، ضابطا لذلك كله ، معتنيا به ، ذاكرا للسير والمغازي ، والتواريخ والآداب ، فاق في ذلك كله أهل زمانه » . « ولد بمكناسة الزيتون ، وأخذ العلم بها ، وبفاس عن مشايخ جلة ؛ منهم : الأستاذ أبو عبد اللّه محمد الصغير النيجي ، والفقيه العلامة أبو عبد اللّه القوري . . . وغيرهما ممن تضمنه برنامج شيوخه ، أنفق أيام حياته في طلب العلم وإقرائه ، والعكوف على تقييده ونشره » . « ألف في القراءات ، والحديث والفقه ، والعربية والفرائض ، والحساب [ 73 ] والعروض . . . وغير ذلك تآليف نبيلة ، وولي الخطابة بمكناسة ، ثم بالمدينة البيضاء من فاس ، ثم ولي آخرا الخطابة والإمامة بجامع القرويين من فاس ، ولم يكن في عصره أخطب منه ، وكان يسمع في كل شهر رمضان صحيح البخاري ، وله عليه تقييد نبيل ، وتخرج بين يديه عامة طلبة فاس وغيرها ، وارتحل الناس إلى الأخذ عنه ، وتنافسوا في ذلك . وكان عذب المنطق ، حسن الإيراد والتقرير ، فصيح اللسان ، عارفا بصناعة التدريس ، ممتع المجالسة ، جميل الصحبة ، سري الهمة ، نقي الشيبة ، حسن الأخلاق والهيئة ، عذب المفاكهة ، معظما عند الخاصة والجمهور ، حضرت مجالس إقرائه في الفقه ، والعربية والتفسير ، والحديث . . . وغيرها ، وكلها في غاية الاحتفال » . « وبالجملة : فهو آخر المقرئين ، وخاتمة المحققين ، ولم يزل باذل النصيحة للمسلمين ، محرضا لهم في خطبه ، ومجالس إقرائه ، على الجهاد والاعتناء بأموره ، وحضر فيه بنفسه في مواقف عديدة ، ورابط مرات كثيرة ، وخرج في آخر عمره لقصر كتامة بقصد الحراسة ؛ فألم به مرض ؛ فآب لفاس ، واستمر به مرضه إلى أن توفي بها إثر صلاة الظهر من يوم الأربعاء تاسع شهر جمادى الأولى سنة تسع عشرة وتسعمائة ، ودفن بالموضع المعروف بالكغادين من عدوة فاس الأندلس ، صبيحة يوم الخميس التالي له ، واحتفل الناس بحضور جنازته احتفالا عظيما ؛ حضرها السلطان ، ووجوه دولته فمن دونه ، وأتبعوه ذكرا حسنا ، وثناء جميلا ، وتأسفوا لفقده تأسفا عظيما - رحمه اللّه ونفع به . انتهى من خط صاحبنا المؤرخ محمد بن يعقوب الأديب قائلا : نقلته من خط سيدي عبد الواحد - يعني : الونشريسي - رحمه اللّه . . . » . انتهى المراد من كلام " النيل " . وقال في " الروض " : « كان إماما عالما ، مشاركا متفننا ، محققا متقنا ، مرجوعا إليه في سائر العلوم ؛ خصوصا القراءات ، والفقه والعربية والحساب ، وإليه اليوم ينتهي سندها بفاس ، وهو شيخ الجماعة