محمد بن جعفر الكتاني

67

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

كان - رحمه اللّه - صاحب حال وفيض ، تعتريه أحوال الجذب دائما ، ويتحرك ويتواجد ويصيح ويهيم ، وتظهر عليه الغيبة ، وكان مع ذلك مقيما لرسومه ، محافظا على السنة ، مراعيا للأوقات ، واقفا على الحدود ، لا يخل بشيء من التكاليف الشرعية ، وكان كثير تلاوة القرآن ، ويقرؤه في اللوح ، كثير المكاشفات والإخبار بالمغيبات ، ينطق بها عند غيبة الحال عليه ، وتارة دون ذلك . وله مآثر لا تحصى ، وكرامات عديدة لا تستقصى . وكان سكناه بحومة العيون ، بدار هناك بالدرب المعروف الآن بدرب سيدي حكيم ، وأخذ - فيما ذكره بعض المشايخ ممن أدركه - وأخذ عنه عن الشيخ أبي النعيم رضوان الجنوي عن الغزواني . وكان العارف الفاسي يقول : « إن مدده من تلاوة القرآن » . ومقتضاه أنه : لم يكن له شيخ . قال في " المقصد " : « ويجمع بينهما : بأن يكون مطلق الأخذ حصل بالمخالطة والصحبة عن سيدي رضوان ، ثم كان استمداد حالته الخاصة من القرآن - أي : من تلاوته » . ه . وقال [ 58 ] في " الممتع " : « صحب سيدي رضوان - فيما يقال - فنزعه عرق فيض سيدي عبد اللّه الغزواني واتصاله به ، وقيل : إنه ليس له شيخ ، وإنما كان مدده من تلاوة القرآن » ، ثم قال بعد كلام : « ثم صحب سيدي عبد الرحمن الفاسي ، ثم سيدي محمد ابن عبد اللّه إلى أن مات في حياته ، وحضر الشيخ سيدي محمد جنازته » . ه . وكتب - رضي اللّه عنه - لبعضهم حرزا طلبه منه ، ثم قال له : « أأقرؤه عليك ؟ ! » . فقال : « نعم يا سيدي » . فقرأ عليه : إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ إلى قوله : يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ . [ سورة الانفطار ] ، ثم قال له : « اسمع ما يقول ؛ ما بيدي شيء ! » . وهو أحد الذين لقيهم الشيخ سيدي قاسم الخصاصي ، وتبرك بهم مرارا ، كما ذكره في " المقصد " وغيره . وقد ترجمه في " الصفوة " ؛ فقال : « ومنهم : الشيخ الصالح أبو عبد اللّه محمد ابن حكيم الأندلسي ، من أهل الأحوال العجيبة ، والمحافظة على السنة ، وكان الحال يزعجه ، فيخبر بالمغيبات ، فكان إذا أقبل الغلاء ؛ يأتي على أوعية الخبز ، ويأكل ما فيها أكلا عنيفا ، ويقول للفرّان : أغلق فرانك ! . ويصيح عليه . فيظهر عند ذلك الغلاء وتنسد الأفران . ودخل يوما على سيدي عبد الرحمن الفاسي وهو في وجد عظيم ، يعض على يديه ويصيح : اللّه اللّه . فقال له سيدي عبد الرحمن : أين لوحك يا سيدي حكيم ؟ . فلما قال له ذلك ؛ سري عنه ورجع إلى حسه ، وقال له : يا سيدي ؛ نذهب نأتي باللوح . فذهب فجاء به سريعا ، وأخذ يعرض عليه ، ولما ذهب ليأتي به ؛ قال سيدي عبد الرحمن لأصحابه : قد أطرتها له . يعني : السكرة - أطارها له بكلامه معه على اللوح . ومن كراماته : أن ولده كان يشكو له فاقتهم ؛ فيقول له : ها فلانة ابنتك ! . ويشير إليها ؛ فلا يفقه . فإذا بها