محمد بن جعفر الكتاني
61
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
« وحدثني غير واحد ممن لقيت من الأعلام ، أن انتفاع ابن البناء في علومه ، ومنزلته الدينية والدنيوية ؛ إنما كان من بركة الهزميري ؛ لأنه بلغ في دينه النهاية ، وفي دنياه الغاية . حدثني قاضي الجماعة بمراكش : الشيخ الفاضل المتخلق ، الحافظ لسير رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ؛ أبو زيد عبد الرحمن القيسي ، ويعرف بطالب عافية ، أنه : أراد أن يقرأ عليه علم العروض . قال لي : ولا دريت هل له معرفة به أم لا ؟ وفكرت في نفسي : كيف يكون سؤالي عن ذلك ؟ ! . . فدخلت عليه - وهو في حلقة العلم - وأنا في قلق من ذلك ، فجلست ؛ فسمعته وقد رفع صوته وهو يقول في مثل ما يقول العروضيون : كذا . وتكلم في علم العروض ؛ فقلت : إنه معي . وما زال - رحمه اللّه - يحدثني بهذه الحكاية وتدمع عيناه في أثنائها » . « وقد ألف بعض فقهاء مراكش ؛ وهو الفقيه المقرئ أبو عبد اللّه ابن تيجلات - رحمه اللّه - كتابا حسنا في فضله وفضل أبي عبد اللّه أخيه ، وتوفي - نفع اللّه به - في حدود سنة ست وسبعمائة ، والدعاء عند قبره مستجاب ، وإلى الوسيلة بقبره يلجأ من حدث به كرب هنالك . وسميت : روضة الأنوار ؛ لأنها جمعت من أولياء اللّه كثيرا ، وهو في وسطهم » . « ورأيت بعض من يعيش بالحرام أخذ في تجديد قبره - رحمه اللّه ونفع به - فنهيته وقلت : سألتك باللّه لا تكدر عليه ! . فأبى وجدده بالجير ، فبعد مدة ضربه السلطان ، ونزع ما بيده من المال ، وندم على ما كلمته به ، ودثر ما صنع على قبره ولم يبق له أثر » . « وسبب حركته من اغمات : قضاء حاجة - يطول شرحها - من السلطان أبي يعقوب المريني وهو في حصاره العظيم لتلمسان ، بعد مدة سبع سنين ، هذا ظاهر أمره ، وفي الباطن : يريد أن يصرفه عن ذلك الحصار ، ويكف عما انتهى إليه المحصورون من الشدة ؛ لأنه بلغ ثمن الدجاجة عشرة دنانير من الذهب للقوت لا للدواء ، وكان للفارين معتبر لا أذكره الآن ؛ فلم يقبل منه ، فرجع إلى فاس ، ونزل بجامع الصابرين ؛ وهو موضع مبارك يأوي إليه أهل الفضل والصلاح ، فبعد أيام قتل السلطان أبو يعقوب ، وغرب جيشه - أي دخل المغرب - بسلطان آخر . فقال له خديمه - ظنا منه أنه ما أقام إلا ليرغب اللّه في الفرج : مات السلطان أبو يعقوب ؛ ففرج اللّه على تلمسان ، فباسم اللّه تأخذ في الحركة ! . فقال له : وعبد الرحمن يمّوت - بتشديد الميم ، يعني بعبد الرحمن ، نفسه - فمات بعد أيام يسيرة ، ودفن هنالك - رحمه اللّه ونفع به . . . » . « وقد أخذت طريقه عن ولي اللّه تعالى الحاج أبي العباس الدكالي عن ولي [ 53 ] اللّه تعالى أبي زكرياء يحيى الغماتي عن الهزميري - نفع اللّه به . وكان يقول : نشفع في كل شيء إلا الموت ! . وتنازع الفقهاء بمراكش في الحوض والصراط أيهما يسبق ؟ . فلجأ أحدهم إليه ، قال : فلما سألته ؛ نظر إلى