محمد بن جعفر الكتاني

198

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وقد قال أبو بكر المالكي : « كان أبو ميمونة من الحفاظ المعدودين ، والأيمة المبرزين ، من أهل الفضل والدين » ، وقال القاضي أبو الوليد ابن الفرضي : « كان أبو ميمونة فقيها حافظا للرأي على مذهب مالك » . وقال أبو عبد اللّه ابن عتاب : « كان يعرف بأبي ميمونة المحدث » . وقال أبو الوليد الباجي : « كان شيخا صالحا » . وذكر المالكي أنه : « كان من أحفظ أهل زمانه بمذهب مالك وأصحابه » . ولما ذكر الشيخ أبو عبد اللّه اليسيتني في تقييد له في القبلة رد به على الشيخ أبي زيد عبد الرحمن التاجوري محراب القرويين ، وأنه لا انحراف فيه ؛ جعل يذكر الأيمة الذين صلوا فيه من غير انحراف ، ثم قال : « وكالشيخ أبي ميمونة ؛ حافظ كبير ، وعالم جليل » . وكان - رحمه اللّه - عارفا عابدا ، ورعا زاهدا . ذكر عياض في " المدارك " عن بعضهم أنه : دفع دينارا لمن يشتري له طعاما ؛ فأتاه ؛ فقال له : « اشتريت واجتهدت » ، فوصف له كيف اكتال الطعام والزرع ، فلم يكتف منه بذلك ، وقال له : « رد علي رأس ما لي ولا حاجة لي به ! » . وكان - رضي اللّه عنه - من أهل الصلاح والولاية ، يمشي بالخطوة ، وله كرامات كثيرة . بل ذكروا أنه : كان [ 176 ] أحد أوتاد الأرض . وفي " المستفاد " في ترجمة الغازي بن فتوح أن جوهرا لما حاصر مدينة فاس : أقام عليها مدة ولم يفتح له ؛ فساءه ذلك . فرأى في المنام قائلا يقول له : « لا تقدر على دخول هذه البلدة أبدا ولو أقمت عليها أعواما ؛ لأن فيها أربعة من أوتاد الأرض » ، فذكرهم وذكر فيهم الشيخ دراس بن إسماعيل . « وكان - رحمه اللّه - كثيرا ما ينشد : غفلت وحادي الموت في أثري يحدو * وإن لم أرح يوما فلا بد أن أغدو أرى العمر قد ولّى ولم أبلغ المنى * وليس معي زاد وفي سفري بعد أنعم جسمي باللباس ولينه * وليس لجسمي من لباس البلا بد كأني به قد مد في برزخ البلا * ومن فوقه ردم ومن تحته لحد وقد ذهبت مني المحاسن وامتحت * ولم يبق فوق العظم لحم ولا جلد فكيف إذا يا رب بالنار قربت * ونارك لا يقوى لها الحجر الصلد عسى غافر الزلات يغفر زلتي * فقد يغفر المولى إذا أذنب العبد » « وأخبرني ابن التبان أن رجلا من أهل المغرب ممن كان منصرفا من الحج قال له سنة سبع « 1 » وخمسين وثلاثمائة : نمت بالرمادة ؛ فرأيت السماء والأرض يبكيان . فقلت : ما هذا ؟ ! . فقيل لي : مات أبو ميمونة دراس بن إسماعيل » . ولم يكونوا عرفوا بموته ؛ فإذا به قد مات رحمه اللّه .

--> ( 1 ) كذا في " جنا زهرة الآس " ، وفي نسخة من " المدارك " : سنة ثمان وخمسين . مؤلف .