محمد بن جعفر الكتاني
189
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
واللّه خصكم بها فلا أحد * يفي بحقكم في القول والعمل لا غرو أن حزتم الفضل الجسيم فلم * تنكر مزيتكم في السهل والجبل بقيتم ببقاء الدهر في شرف * وقدركم دائما يعلو على زحل وأنكر الفقيه العلامة ، الصوفي المحدث ، البركة النفاعة ؛ أبو محمد سيدي عبد القادر بن أحمد الكوهن - دفين المدينة المنورة ، في بقيعها ، في شهر صفر سنة أربع وخمسين ومائتين وألف - أن تكون في هذه الرؤيا منقبة لهؤلاء الأشراف قائلا : « لا يخفى على ذي لب أن رائيها هو الذي حاز بها شرفا ، واكتسب بها في الدارين علوا بالقرب من المصطفى ، حيث اتصل نسبه بخير الأنساب ، ودخل في زمرة هؤلاء السادة الأنجاب . . . قال : وأما هؤلاء السادات ؛ فشرفهم سما فوق طباق السماوات ، في غنى عن التأكيد ، غير محتاج إلى التأييد ؛ إذ هو أشهر من نار على علم ، وأعز من أن يعبر عنه اللسان والقلم » . ه . وقصد - رحمه اللّه - بهذا بيان سمو رتبة هذه الشعبة الكتانية وعلو مكانتها ، وظهور عزتها ورفعتها ، وأن نسبها ثابت صحيح ، لا يحتاج إلى زيادة تصحيح ، وإلا ؛ فلا يخفى أن هذه الرؤيا قد اشتملت لهذه الشعبة على مزيتين عظيمتين : الأولى : شهادة اللّه الذي يعلم ما ظهر وما خفى ، بأنهم من ذرية نبيه وحبيبه المصطفى ، صلّى اللّه عليه وسلم ، وكفاهم هذه الشهادة فضلا ومنقبة وذكرا ، وثناء جميلا وفخرا ، ولم نسمع بصدور مثلها منه سبحانه وتعالى لقبيلة من القبائل الأشراف على كثرتها واتساعها ، واللّه يؤتي فضله من يشاء واللّه ذو الفضل العظيم . والثانية : ذكر اللّه تعالى بذاته المقدسة وكلامه القديم ، وفي ذلك من الاعتناء بهم والتنويه بقدرهم ما لا يخفى ، والدليل على أن ذكر اللّه تعالى لعبده من أعظم المناقب الكتاب والسنة : أما الكتاب ؛ فقوله تعالى : فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ . [ البقرة : 152 ] . فجعل سبحانه جزاء ذكر العبد له : ذكره تعالى بنفسه لعبده ، ولولا أن في ذلك الذكر من تفخيم العبد وترفيع قدره وجنابه ما يجل عن الحصر ؛ ما جعله جزاء عن ذكره . وقيل في قوله تعالى : أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ . [ الرعد : 28 ] . إنه بذكره تبارك وتعالى إياهم تطمئن قلوبهم . وأما السنة : فأخرج الشيخان والترمذي عن أنس رضي اللّه عنه قال : قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لأبي [ 169 ] بن كعب : « إن اللّه أمرني أن أقرأ عليك : لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ » . قال : وسماني اللّه تعالى لك ؟ ! . قال : « نعم » ؛ فبكى أبي . يعني : بكاء فرح