محمد بن جعفر الكتاني
18
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
معارضات الآيات ، ومعارضات الأحاديث ، وأجوبتها ، وما هو من ذلك صحيح وسقيم ، ويستحضر مأخذ المتصوفة من الكتاب والسنة ، يقرر كل ذلك بعبارة سهلة واضحة موفية بالمراد . وكان من عادته أن يخلل كلامه بقوله : الصلاة والسلام عليك يا رسول اللّه . يقطع الكلام بذلك ثم يعود إليه ! » . انتهى كلامه . وكانت له معرفة بالنحو واللغة ، والفقه والحديث ، والتفسير والأصول ، والبيان وعلم الكلام . . . وغير ذلك . وغالب تدريسه : صحيح البخاري ، و " الشمائل " ، وسيرة اليعمري ، و " الشفا " ، وتفسير الجلالين ، ورسالة ابن أبي زيد ، وابن عاشر ، ومختصر خليل . ومن كتب التصوف : " التنوير " ، و " الحكم " ، و " لطائف المنن " ، و " العهود الكبرى " ، و " قوت القلوب " . وكان له مجلس حفيل ، وجدد له والده بناء المسجد الأعلى من عقبة الزرقاء عدوة فاس القرويين ، فتصدى فيه للتدريس ، وجمع عليه الناس فيه ؛ فكانوا يقرءون معه الأحزاب والأوراد والهيللة ، على المألوف في الزوايا ، وكان الناس يعتقدون خصوصيته ، سيما من لازمه وعرف حاله ، ويقصدونه في المشاورة في الأمور الدينية والدنيوية ، ويحمدون إشارته ، وكان إليه الرجوع في مسائل المعاملات والنوازل والأيمان ، يحل مشكلها ويبين معضلها . أخذ العلم عن سيدي عبد القادر الفاسي وولديه ، وعن الشيخ ميارة الأكبر ، وأبي علي اليوسي وأبي العباس ابن الحاج ، وأبي عبد اللّه بردلة ، وأبي سالم العياشي . . . وغيرهم . وأخذ القراءة على أبي زيد ابن القاضي ، وسافر للحج ؛ فحج وزار ، وأخذ عن الشيخ سلطان المصري . وألف تأليفا حسنا في أدعية نبوية ؛ سماه باسمين أحدهما : " مرقى الأنام ، إلى غرف دار السلام " ، والآخر [ 14 ] : " مرقى الأبرار والأخيار ، إلى رضى العزيز الغفار " . في نحو كراسة ونصف . وله آخر حسن ظريف أجاد فيه ماشا ، ضمنه أخبارا ملكوتية وحكما وأشعارا غريبة الإنشاء ، وقصائد وأنظاما جيدة . وكان قبل قتله بعام أو أزيد نزل به مرض شديد غيبه عن حسه ، فكان الناس يعودونه أفواجا أفواجا ، فيجدونه يتكلم غالبا في العلويات ، ويخبر عن نورانيته بكثير من المغيبات ؛ كشهادته « 1 » للنبي صلّى اللّه عليه وسلم ولصحابته والكلام معهم ، وكإخباره بواقعته المشهورة مع السلطان قبل وقوعها ، وأشار إلى كونه يموت قتيلا ؛ فكان بعد ذلك كذلك .
--> ( 1 ) أي : كمشاهدته .