محمد بن جعفر الكتاني

165

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وأخذ عن جماعة من الشيوخ ؛ وعمدته منهم : الأخوان العلامتان أبو محمد عبد السلام وأبو حامد العربي ابنا الطيب القادري الحسني ، والعلامة المسناوي . وانتفع به هو جم غفير ، وتخرج به غالب علماء فاس وغيرها من الواردين عليها . وكان له مجلس غاص في تدريس العربية ، يقصده الناس من سائر نواحي المغرب لأخذها عنه ، يقتصر فيه على مهمات المسائل ، وتحرير المشكلات ، ويستحضر اللطائف والشوارد والغرائب ، ويلقيها في مجلس درسه ، وكانوا يستحسنون ذلك منه جدا ، وكان يدرس بسطح المدرسة الرشيدية ، ثم احتال عليه تلامذته إلى أن صار يدرس بجامع الأندلس . وقد عده الشيخ التاودي في فهرسته من شيوخه ؛ وقال : « امتن اللّه به على الأنام ، ونفع بعلومه الخاص والعام ؛ فلست ترى من إمام إلا ومنه قد عرف ما يتألف منه الكلام ، ولا من صاحب اهتداء إلا ومنه كان له الابتداء ، مد في عمره الجليل ، ونفع الطالبين منه جيلا بعد جيل . أخبرني بعض شيوخي - ممن قرأ عليه - أنه : ذكر مرة عن الإمام ابن هشام أنه : أقرأ ألفية ابن مالك ألف مرة ومائة مرة ؛ فسأله بعض من سمعه : وكم أقرأتها أنت ؟ . فقال : أما المائة ؛ فجزتها ! » . ه . وله تقاييد كثيرة مفيدة في أنواع من العلوم ؛ ولا سيما في علم النحو ، وقد جمع بعض المعتنين من الحذاق ما كتبه على هوامش " المحاذي " لابن هشام في سفر ضخم . وكان بينه وبين الشيخ المسناوي - رحمه اللّه - اتصال وألفة وملازمة ، لا يقطع المسناوي أمرا دونه [ 148 ] ، ولا يخرج عن مشورته ورأيه ، وعاش - رحمه اللّه - أكثر عمره عزبا ، ثم تزوج قرب موته . وتوفي ليلة الأربعاء الحادي عشر من جمادى الثانية سنة إحدى وأربعين ومائة وألف . قال في " المورد الهني " : « ودفن بداخل القوس المبني ، كأثر السقاية ، عن يسار الداخل لروضة سيدنا العارف الكبير ، ولي اللّه تعالى سيدي محمد ابن عباد - رضي اللّه عنه ، ونفعنا ببركاته - داخل باب الفتوح من فاس ، ووافق أول يوم من يناير في مطر غزير ، وبرد وريح شديد ، ورثاه كثير ممن انتفع به بقصائد » . ه . وقال في " التقاط الدرر " - بعد ما ذكر أنه آخر المحققين للعربية بفاس - ما نصه : « ومدفنه عن يمين الخارج من روضة الشيخ ابن عباد ، داخل باب الفتوح ، بموضع كان سقّاية ، وبقي قوسها عليه ؛ إذ تعذر جري مائها » . ه . ترجمه صاحب " المورد الهني " ، و " النشر " ، و " التقاط الدرر " ، و " الروضة المقصودة " . . . وغيرهم .