محمد بن جعفر الكتاني
154
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
بعد صلاة العصر من يوم الجمعة ، رابع رجب سنة اثنين وتسعين وسبعمائة ، ودفن بكدية البراطل من داخل باب الفتوح . وكان - رضي اللّه عنه - ذا صمت وسمت ، وتحمل وزهد ، معظّما عند الكافة ، معوّلا في حل المشكلات على فتح الفتاح العليم : ومن علمه : أن ليس يدعى بعالم * ومن فقره : أن لا يرى يدعي الفقرا ومن حاله : أن غاب شاهد حاله * فلا يدعي وصلا ولا يشتكي هجرا ! [ 137 ] كذا رأيت بخط من أثق به في تعريفه ، ونقلته باختصار ، مع زيادة ما تحققت ، وكتبه شاهدة بكماله علما وعقلا ؛ فهي كافية في تعريفه . وكان الذي طلبه في وضع الشرح على " الحكم " : سيدي أبو زكرياء السرّاج ؛ الذي أكثر رسائله له ، وسيدي أبو الربيع سليمان ابن عمر » . ه . وكان - رحمه اللّه - حسن السمت ، طويل الصمت ، كثير الوقار والحياء ، جميل اللقاء ، حسن الخلق والخلق ، عالي الهمة ، متواضعا ، معظما عند الخاصة والعامة ، إماما عالما ، منصفا خاشعا ، خاشيا ربانيا ، محققا فقيها ، صوفيا زاهدا ، ورعا صالحا ، عارفا باللّه تعالى . وكان الغالب عليه : الحياء من اللّه ، والتنزل بين يدي عظمته ، وتنزيله نفسه منزلة أقل الحشرات ؛ لا يرى لنفسه مزية على مخلوق ؛ لما غلب عليه من هيبة الجلال ، وعظمة الملك ، وشهود المنة ، وكان نظارا إلى جميع عباد اللّه تعالى بعين الرحمة والشفقة ، والنصيحة العامة ، مع توفية المراتب حقها ، والوقوف مع الحدود الشرعية . . . وكان من حاله : تألّف قلوب الأولاد الصغار ، وكانوا إذا رأوه ؛ ازدحموا على تقبيل يده . وكان الملوك - أيضا - يزدحمون عليه ، ويتذللون بين يديه ، فلا يحتفل بذلك . نشأ ببلده رندة على أكمل طهارة وعفاف وصيانة ، وحفظ القرآن وهو ابن سبع سنين - كما سبق - ثم تشاغل بعد ذلك بطلب العلوم النحوية والأدبية ، والأصولية ، حتى رأس فيها ، وحصّل معانيها ، ثم أخذ في سلوك طريق الصوفية ، والمباحثة عن الأسرار الإلهية ، حتى صار يشار إليه في ذلك ، ويدل فيه عليه ، وتكلم في علوم الأحوال والمقامات ، وما يدخلها من العلل والآفات ، وألف في ذلك التواليف العجيبة ، والتصانيف البديعة ، التي من جملتها : شرحه على " الحكم " ، الذي قيل فيه : « أبى اللّه عزّ وجل أن يقبل إلا شرحه عليها ! » . ودرس كتبا كثيرة ، وحفظها أو جلها . أخذ برندة عن والده ؛ قرأ عليه القرآن العظيم وغيره ، وعن خاله أبي عبد اللّه الفريسي ؛ قرأ عليه القرآن والعربية . . . وغير ذلك ، وعن أبي الحسن بن أبي الحسن الرندي ؛ قرأ عليه حرف نافع ، وعرض عليه " الرسالة " .