محمد بن جعفر الكتاني
151
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
« وكان يحضر السماع ليلة عيد المولد عند السلطان وهو لا يريد ذلك ، وما رأيته قط في غير مجلس جالسا مع أحد ، وإنما حظ من يراه : الوقوف معه خاصة . وكنت إذا طلبته في الدعاء ؛ احمر وجهه ، واستحيى كثيرا ، ثم يدعو لي ، وأكثر تمتعه من الدنيا بالطيب والبخور الكثير ، ويتولى أمر خدمته بنفسه ، ولم يتزوج ، ولم يملك أمة ، ولباسه في داره [ 134 ] مرقعة ، فإذا خرج سترها بثوب أخضر أو أبيض . . . » . « وله تلامذة كلهم أخيار مباركون . وبلغني عن بعضهم أنه : تصدق حين تاب على يده بعشرة آلاف دينار ذهبا . وهو الآن إمام جامع القرويين بفاس وخطيبه ، وأكثر قراءته في صلاة الجمعة : إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ . [ النصر : 1 ] . وأكثر خطبته وعظ . ومثله من يعظ الناس ! ؛ لأنه اتعظ في نفسه . وقد أوحى اللّه إلى عيسى - عليه السلام : يا عيسى ؛ عظ نفسك ، فإن اتعظت ؛ فعظ الناس ، وإلا ؛ فاستحي مني . ذكره الغزالي . وعهدي به أنه على صفة البدلاء ، الصادقين النبلاء . أكثر اللّه مثله في الإسلام ، بجاه النبي عليه السلام » . ه . وقال الشيخ زروق في بعض شروحه على " الحكم " : « هو سيد العارفين باللّه في زمانه ، ونخبة عصره وإبّانه ، نسيج وحده ، وعمدة الصديقين من بعده ، الشيخ الصالح الفقيه ، الخطيب البليغ النبيه ، كان ذا سمت وصمت ، وزهد وعفاف ، وتجمل وحسن طباع ، متبرئا من الدعاوي . قال بعض تلامذته المعتبرين : قول الحق فيه : إنه عالم بجميع العلوم الدينية ، معولا في حل المشكلات على فتح الفتاح العليم ، لم يكن له في عصره قرين . وقد قال لي بعض فقراء الوقت : ما رأيت أحدا ممن تكلم في هذا الفن بريئا من الرضى عن نفسه بكل وجه إلا ابن عباد ! » . « وكان خديمه سيدي أحمد ابن مالك ينقل عنه أنه كان يقول : إنما حجب الخلق عن اللّه تعالى : تدبيرهم لأنفسهم ، وعملهم على الحظ . والذي يعمل لا للحظ ؛ عليه تصب الحظوظ ! . قال : وسألته : هل تزوجت قط ؟ . قال : ولا هممت به ؛ اقتداء بالشيخ . وله حكاية في العذر عن ذلك يطول ذكرها ، وكان يلبس الثياب الرفيعة ، ويستعمل الطيب ، حتى حكي لنا أن السلطان أراد أن يضاهيه ؛ فقال : حاولت بكل ممكن ؛ فلم أقدر على ذلك ! » . « وسمعت سيدي أبا القاسم العمير - شيخ من أهل الخير - يقول : كان أبي مؤذنا ، وكنت أجيء معه للمسجد ، فنقعد ننتظر خروج الشيخ للإقامة ، فما نعرف خروجه إلا برائحته ! » . « وبالجملة : فقد كان - رحمه اللّه - من الأيمة المهتدين ، ومن أهل الظرافة في الدنيا والدين ، ولئن استقصينا ما بلغنا من أخباره ؛ لخرجنا عن غرض الكتاب » . انتهى المراد منه بإسقاط ما لم تدع الحاجة إليه .