محمد بن جعفر الكتاني

15

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

كان - رحمه اللّه - من أعيان مشايخ المغرب وعظماء العارفين ، أحد أوتاد المغرب ، وأركان هذا الشان ، جمع اللّه له بين علم الحقيقة والشريعة ، وانتهت إليه رياسة السالكين وتربية المريدين بالبلاد الراشدية والمغرب بأسره ، واجتمع عنده جماعة من كبار المشايخ من العلماء والصالحين من تلامذته ، واشتهر ذكره في الآفاق شرقا وغربا ، وأوقع اللّه له القبول العظيم ، والعطف الجسيم ، في قلوب الخلق ، وقصده الزوار من كل حدب ، وتتابعت كراماته عليهم ، وظهرت أنواره لديهم ، وكان متواضعا ورعا زاهدا ، يحبب الخلق في الطاعة ، ويحرضهم على الذكر ، ويرشدهم إلى الصراط المستقيم ؛ حتى تاب على يديه خلق كثير ، وهداهم اللّه تعالى بسببه . وهو من تلاميذ الشيخ زروق ، ولما حج شيخ شيخه المذكور [ 11 ] ؛ وهو : الشيخ الأوحد العلامة الصالح أبو عبد اللّه الزيتوني ؛ نزل بموضع قريب من قلعته ؛ فأتى إليه ؛ فقبل الزيتوني رجليه ؛ وقال له : « قد أعطاك اللّه من قاف إلى قاف ! » ، فقال له الملياني : « هذا قليل ؛ بل أعطاني أكثر ! ! » . وحكي أن بعض أصحابه قال له : « إن سيدي عبد الرحمن الثعالبي قال : من رأى من رآني لا تأكله النار إلى سبعة » . فقال الملياني : « كذلك من رأى من رآني لا تأكله النار إلى عشرة ! » . وحلق له مرة حلاق رأسه ؛ فقال له : « لولا خفت عليك من الناس ؛ لقلت : جميع من يجلس في حجرك لا تعدو عليه النار ! » . وقال - رضي اللّه عنه : دعوت اللّه في ثلاث ؛ فأعطانيها في ليلة واحدة : طلبته أن يرزقني العلم بلا مشقة ؛ فأعطاني علم الظاهر والباطن . وطلبته أن يبلغني مبلغ الرجال ؛ فبلغني فوقهم . وطلبته أن يريني المصطفى في النوم ، فرأيته في اليقظة ، وفتح اللّه علي في علوم - ببركته - لم يطلع عليها غيري . . . يعني : من أهل عصره . وعنه - أيضا - قال : « علمني رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم سبعين بابا من العلم لم يعلم ذلك لأحد غيري » . أي : في عصره . وقال - أيضا : « جميع من أكل معي أو شرب ، أو جالسني أو نظر في لا أسلم فيه غدا يوم القيامة . . . » . وسئل - رضي اللّه عنه - عن السبحة : هل يجوز أخذها باليمين ؟ . فقال : نعم ؛ يجوز ذلك ، وهي كالمهامز « 1 » للفرس .

--> ( 1 ) المهامز : ج . مهمز : وهو العود الذي تنغز به الدابة لقيادتها .