محمد بن جعفر الكتاني
13
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
قلت : تقدم - تبعا لصاحب البدور المذكورة - أن صاحب الترجمة أخذ علم الطريقة والحقيقة ، وأنواع علم الظاهر عن قريبه سيدي محمد بن أبي بكر الدلائي وأولاده ، وسيدي محمد المذكور توفي في رجب سنة ست وأربعين وألف ؛ فبين وفاته ووفاة صاحب الترجمة نحو من اثنين وأربعين عاما ، ولا أقل من أن يكون أخذه عنه ؛ لما ذكر في سن التكليف ونحوه ؛ كأن يكون ابن ثمانية عشر عاما أو ما قاربها . وإذا أضفتها إلى المدة المذكورة ؛ كان المجموع منها : نحو من ستين عاما ، وصاحب هذا السن - أيضا - لا يقال فيه : شاب . فتأمله . والظاهر أن صاحب الترجمة هو محمد بن محمد ( مرتين ) ابن عبد الرحمن كما ذكرنا أولا ، وهو الذي عند الشيخ المسناوي وغير واحد ممن ترجمه ، وأن وصف المسناوي له بالشاب سبق قلم منه . . . واللّه أعلم . [ 417 - السيدة صفية لبّادة ] ( ت : 1199 ) ومنهم : المرأة الصالحة ، الولية الفالحة ، المجذوبة السالكة - والجذب أغلب عليها - السيدة صفية لبادة . لقبت بذلك لكونها كانت تصنع اللبود « 1 » قبل جذبها ، ولما نزل بها ما نزل من الحال ؛ صارت تخرج للأسواق بادية ، وتتكلم بكلام أكثره سفه . ثم خرجت من فاس ، ونزلت بالقباب من خارج باب الفتوح بأعلى مطرح الجنة ، وبقيت هنالك نحو العامين صيفا وشتاء ، ثم رجعت إلى المدينة ، فكانت تهيم بالأسواق ، وتتكلم بمعاني منها ما يفهم ومنها ما لا ، ثم يضيق حالها وتتكلم بالسفه ، وتكشف عورتها ولا تبالي بأحد ولا بما فعلت . ثم بعد مدة هاجرت عند الشيخ سيدي أحمد البرنسي بلمطة ، وبقيت في جواره نحو السنة ، ثم رجعت إلى المدينة ، واتخذت معها كلابا يدورون بها ويمشون حولها ، وصارت لا تتكلم إلا بالمعاني والإشارات ، وسكتت عن كلام السفه ، وكل ما أشارت به وقع في القرب أو في البعد . وكانت تقف بباب المساجد عند صلاة الجمعة ، وتقول : « يا العلماء يا الظلما ! » . وتقف بباب القرويين ؛ وتقول : « كان يحسبني مجي من سوس ، ساع هو بين السواري مدسوس » ، والسلطان مولانا سليمان إذ ذاك يطلب العلم بالقرويين . تشير بالقول المذكور إلى ما يؤول إليه أمره من الملك . وكانت ربما تشتغل في بعض الليالي عند نوم الناس وانقطاعهم عنها بالركوع والسجود والدعاء والتضرع ، وأمرها عند الناس شهير ، وعندهم من كراماتها الكثير ، وهي من جملة من لقيهم الشيخ سيدي التاودي ابن سودة المري وتبرك بهم . [ 10 ] .
--> ( 1 ) اللبود ، ج لبدة : وهي سجادة خاصة للصلاة ، تصنع من الصوف ، اعتاد العلماء تأبطها .