محمد بن جعفر الكتاني

60

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

ومنها : أن لا يرجع القهقري عند الأخذ في الانصراف كما يفعله كثير من الجهلة الأغنياء ، يستقبلون عند الانصراف القبر بوجوههم ويرجعون إلى وراء شيئا فشيئا إلى أن يولوا عنه ، ويرون لجهلهم أن ذلك أبلغ في الأدب . . . وليس كذلك ، بل هو من البدع المنهي عنها في الشرع . وفي مناسك الشيخ خليل - رحمه اللّه - ما نصه : « ولا يرجع - يعني : من طاف بالبيت - في خروجه القهقري ؛ لأنه خلاف السنة ، وكثير من الناس يفعل ذلك هنا وفي مسجده عليه السلام ، ولا أصل لذلك في الشرع الشريف » . قال : « وأدت هذه البدعة إلى أن صاروا يفعلونها مع مشايخهم ، وعند المقابر التي يحترمونها ، ويزعمون أن ذلك من الأدب . . . » . نقله الحطاب عند قول خليل في الحج : « ولا يرجع القهقري » . ومنها : أن يقدم يسراه عند الخروج من المحل الذي به المزور . وليقل - إن كان مسجدا : « بسم اللّه . اللهم صل على سيدنا محمد وعلى آل سيدنا محمد . رب اغفر لي ذنوبي وافتح لي أبواب فضلك . . . » . وهذا آخر ما أردناه من هذه الآداب ، وقد أطنبنا فيها بعض الإطناب ، لشدة الاحتياج إليها ، وتوقف الانتفاع التام بالزيارة عليها ، حتى قال بعض الموفقين : « الناس إلى آداب الزيارة أحوج منهم إلى الزيارة . . . » . وهو كذلك ؛ فإن كثيرا ممن لا أدب معه ولا معرفة له بأحكام الشريعة يطلب الربح بالزيارة ، فيخسر فيها من حيث لا يدري ؛ لسوء أدبه وعدم موافقة أفعاله منها للشرع . . . واللّه الموفق والمرشد . تنبيهات [ زيارة القبور مندوبة بلا حد بيوم أو وقت ] : الأول : زيارة القبور مندوبة بلا حد بيوم أو وقت . قال مالك رضي اللّه عنه : « بلغني أن الأرواح بفناء المقابر ، فلا تختص زيارتها بيوم بعينه ، وإنما يختص يوم الجمعة لفضله والفراغ فيه . . . » ، نقله الشيخ زروق . وما في " الإحياء " عن محمد بن واسع من أنه : بلغه أن الموتى يعلمون بزوارهم يوم الجمعة ، ويوما قبله ، ويوما بعده ؛ [ 59 ] معناه : أنه يزيد علمهم للأدلة على دوام علمهم . كما ذكره بعض العلماء . وقد أخرج ابن أبي شيبة عن الحسن قال : « من دخل المقابر فقال : اللهم رب هذه الأجساد البالية ، والعظام النخرة ، التي خرجت من الدنيا وهي بك مؤمنة ، أدخل عليها روحا منك وسلاما