محمد بن جعفر الكتاني

58

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

أما إن اعتقد أن التأثير للولي بالذات لا بالقوة ؛ فهو كافر إجماعا ، وذكاته لا توكل ؛ لأنه مرتد . وفي " التوضيح " نقلا عن ابن رشد في " البيان " قال : « ستة لا تجوز ذبائحهم : الصغير الذي لا يعقل ، والمجنون في حال جنونه ، والسكران الذي لا يعقل ، والمجوسي والمرتد والزنديق . . . » . فإن جهل الحال ولم يعلم اعتقاد هذا الذابح ؛ حمل على سلامة الاعتقاد ، وأكلت ذبيحته ، حيث كان من قوم الغالب فيهم العلم بالمعتقدات على طريقة أهل السنة ، أو يجهل أمرهم وحالهم ؛ لأن ذلك هو الأصل في المسلم والغالب من حاله . وربما يدل لهذا : ما ذكره الرسموكي في آخر جوابه المذكور من أن : « الغالب على من صح إيمانه ، وعلم أنه لا تأثير لشيء من الكائنات في أثر ما : عدم اعتقاد التأثير لغير اللّه ، لا في الذبح ولا في غيره . . . » . ويدل له أيضا : أنهم أباحوا أكل ذبيحة السارق مع الجهل بعينه فضلا عن حاله واعتقاده . قال ابن رشد في " البيان " أثناء كلامه على ذبيحة السارق ما نصه : « فمن دخل داره سارق فذبح الشاة ووجدها مذبوحة ؛ فإن كان بلد فيه مجوس مع المسلمين وأهل الكتاب ؛ فلا يأكلها ؛ مخافة أن يكون ذبحها مجوسي ، وإن كان بلد ليس فيه إلا المسلمون وأهل الكتاب ؛ فلا بأس بأكلها . قال ذلك ابن حبيب في " الواضحة " ، وليس ترك أكلها إذا كان في البلد مجوس بلازم في وجه الحكم ؛ وإنما هو على سبيل الورع على ما مضى عن عمر بن الخطاب وعبد اللّه بن عباس وعبد اللّه بن مسعود في أول رسم من سماع ابن القاسم . . . » . انتهى . نقله العلامة الرهوني في الذكاة . . . واللّه أعلم . [ حكم ما يذبح للجان ] : وأما ما يذبح للجان : فإن لم يذكر اسم اللّه عليه كما يفعله الآن بعض أراذل الفساق عند الذبح لهم ؛ لم يوكل مطلقا . لقوله تعالى : وَلا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ [ 57 ] اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ [ الأنعام : 121 ] وحكمه - حينئذ - حكم الميتة . وإن ذكر اسم اللّه عليه ؛ نظر لقصد الذابح ؛ فإن قصد اختصاص الجان بانتفاعه بثواب المذبوح ، كما لو كان الذابح يعتقد فيه أنه من صالحي الجن وأراد نفعه بالثواب المذكور ليستجلب به خاطره ويكون وسيلة بينه وبين اللّه في قضاء مرغوبه وحصول مطلوبه ؛ كره أكل ذبيحته ؛ لأن صورتها صورة المذبوح لغير اللّه ، لكون الجن مما عبد من دون اللّه سبحانه ، ولارتكاب صاحبها للنهي ؛ لأنه عليه السلام نهى عن الذبح للجان مطلقا . ففي المواق و " التوضيح " وغيرهما نقلا عن ابن شهاب الزهري قال : « لا ينبغي الذبح لعوامر الجان ؛ لنهيه صلّى اللّه عليه وسلم عن الذبح للجان . . . . » .