محمد بن جعفر الكتاني

35

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

« نعم ، يستثنى من ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ومن دله على ذلك العمل من العلماء الأشياخ ، فله أن يهدي ثواب عمله في صحائفهم . . . » . هذا كلامه . وأقول : العلماء والصلحاء خلفاء الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ونوابه فينا ، ومهدي ثواب عمله لهم إجلالا لهم وتعظيما من حيث إنهم خلفاؤه ونوابه ، مهد في الحقيقة لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم لا لهم ، ولا يبعد أن يثيبه اللّه تعالى بسبب هذا القصد بأعظم من الثواب المهدية إياه . وأيضا : فيرجى له بسبب ذلك ما هو أعظم من عطف هذا الولي ورضاه ، مدده وشفاعته له عند المولى سبحانه وعند الرسول صلّى اللّه عليه وسلم ، كما هو اللائق بأهل الكرم والجود أنهم يقابلون الشيء اليسير التافه الذي قصد صاحبه به التعظيم بالأشياء العظيمة النفيسة ، فيكون حينئذ رابحا لا خاسرا ، وساعيا في تكبير الثواب لا في تنقصيه ، والساعي في مثل هذا لا يقال فيه : إنه ظالم لنفسه . والثواب وإن لم يكن محققا ، فهو يطلبه من باب الفضل والمنة لا من باب الاستحقاق ، واللّه ذو الفضل العظيم . ولذا يعلق الإهداء على المشيئة والفضل ، ويقول : « اللهم إن تفضلت علي بثواب . . . إلخ » ، وهو - وإن كان محتاجا له ؛ لكنه يدفع شيئا قليلا ؛ فيأخذ فيه شيئا كثيرا بسبب تعظيمه لهذا الولي وسعيه في خدمته ، وإهداء ما من اللّه به عليه من عظيم الثواب له ، ولا يستوي عند الولي من آثره بشيء هو له بالأصالة بفضل اللّه تعالى ، ومن شح به عليه وصار يدعو له بنظيره . وقد وردت أحاديث كثيرة في الترغيب في قراءة بعض القرآن وإهداء ثوابه وأجره لمطلق الأموات ، فكيف بالأولياء والعلماء ؟ . وقال الشيخ عبد الرؤوف المناوي في " شرح الأربعين النووية " ما نصه : « قال الطوفي : وذكر عن بعض العلماء الصلحاء أنه كان يقرأ ويذكر ويسبح ويهدي ثوابه لكل عبد صالح في السماء والأرض ، فينبغي لمن وفق فعل ذلك . . قال : وقد صح عن بعض من كان يفعل ذلك صحة قاطعة لا ريب فيها ؛ أنه رأى ليلة في نومه ، بعد أن أهدى ثوابه إليهم - أنه عرج به إلى السماء ، وخرج للقائه كل من فيها [ 34 ] من الأنبياء والملائكة ، فكان يرى أن ذلك دليل على صدق أنه يصل إليهم ما أهداه لهم . . . قال : فلا يكسل الإنسان أن يقرأ الإخلاص مثلا ؛ فإنها تعدل القرآن ، أو يسبح أو يحمد ، أو يكبر أو يهلل ، ثم يقول : اللهم أثبني على ما قرأته وذكرته ، واجعل ثوابه هدية مني لكل عبد صالح في السماء والأرض ، فإنه إذا قبل وصل إليهم إجماعا . . . » .