محمد بن جعفر الكتاني

31

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

بل هذا المزور الخالي من الولاية يرجى له الخير بسبب ما يهدي الناس له من الدعاء والرحمة ، وثواب القراءة والذكر ، والصلاة على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، وغير ذلك ، سيما إن دام ذلك سنين عديدة ، أو قرونا كثيرة ، وفضل اللّه تعالى واسع ، ومن كرمه تعالى أنه يرحم عبده بما يعذبه به . وقول بعض العامة تحذيرا من اعتقاد من لم تتحقق ولايته من الأموات : « كم من گرابز تحت الدرابيز « 1 » » . كلام بشيع غير صحيح ، فلا يقبل من قائله ، لما فيه من سوء الأدب ، إذ موجبه سوء الظن باللّه وبعباده ، وفيه أيضا تحجير لرحمة اللّه الواسعة ، واللّه ذو الفضل العظيم ، وانظر " سلوك الطريق الوارية في الشيخ والمريد والزاوية " للشيخ الواعظ الصوفي أبي عبد اللّه سيدي محمد المنالي الشهير بالزبادي ، في ترجمة الشيخ أبي عبد اللّه سيدي محمد جسوس نفعنا اللّه به . الرابع : الشيوخ أقسام ثلاثة : منهم من كان لا يمنع مريديه من الزيارة مطلقا ، بل ولا من الصحبة . كما نقل عن الشيخ أبي الحسن الشاذلي - رضي اللّه عنه - أنه كان يقول لأصحابه : « اصحبوني ولا أمنعكم أن تصحبوا غيري ؛ فإن وجدتم منهلا أعذب من هذا المنهل فردوه » ، وهذا عزيز الوجود جدا ، وقل أن يحصل من أحد من المشايخ . ومنهم : من كان يمنعهم منها مطلقا ، لما يخاف أن يحصل في ذلك من الضرر للمريد ؛ كانحلال عقد الشيخ من قلبه ، أو ما هو أعظم من انتقاله عنه إلى غيره ، وقد لا يحصل له الانتفاع بواحد منهما . ولذا قال الشيخ زروق : « ولا تنتقل عنه ولو رأيت من هو أعلى منه ، فتحرم بركة الأول والثاني . قال : ولذلك كان المشايخ يمنعون أصحابهم من صحبة غيرهم ، بل من زيارتهم كما قال : خذ ما تراه ودع شيئا سمعت به * في طلعة البدر ما يغنيك عن زحل » . وقال الشيخ الأكبر في الكلام على آداب الشيخ : « ينبغي له أن لا يترك أصحابه يجالسون أصحاب غيره من الشيوخ ، ولا يزورون شيوخهم » ، يعني : لما ذكرناه . وصاحب هذا لا ينبغي له أن يزور مطلقا ، إلا إن أذن له الشيخ فيها عموما أو خصوصا لمعنى يلوح له فيه بخصوصه ؛ فلا حرج . وإلا أن يحصل له الرشد في طريق القوم فيملك أمر نفسه فيذهب حيث شاء ، كما قال مالك : « إذا بلغ الرجل فليذهب حيث شاء ، وإلا أن يمنع الشيخ ، من تربيته مانع ، إما من موته ، وعدم الإذن له في التربية بعد الموت ، كما [ 30 ] هو الشأن والغالب . وإما من عدم أهلية المريد للتلقي عنه بعد الموت ، حيث كان مأذونا له فيها بعده ، كما هو حال بعض الخواص من الأكابر ، فله أن يطلب حينئذ من الأحياء من يربيه ويسلك به إلى اللّه عزّ وجل .

--> ( 1 ) الدرابيز : جمع دربوز ، قبة من خشب توضع على القبر إشهارا له .