محمد بن جعفر الكتاني
429
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
كان - رحمه اللّه - ممن حفته العناية ، وظهرت عليه بركة أهل الولاية ، أحد العلماء العاملين ، وعباد اللّه الصالحين ، مشوبا علمه بالصلاح ، والدين واتباع طريقة المهتدين ، ذا أخلاق حسنة ، وأوصاف مستحسنة ، عالي الهمة ، كريم النفس ، يحب الصالحين [ 374 ] ويميل إلى الفقراء ، ويحسن الظن بهم ، تاركا لما في أيدي الخلق ، غير حريص على متاع الدنيا ، مع مروءة وفتوة ، وسخاوة ونجدة ، وكرم وهيبة ووقار ، وتؤدة وحياء ، وجد وإقدام في المضايق . وكان مشاركا في العلوم ، سيما في النحو والبيان والفقه ، ويقوم على مختصر خليل ، ويجيد درسه تحقيقا وفهما ، دءوبا عليه ، معتنيا أيضا بتدريس " ألفية " ابن مالك ، وكانت له ثلاثة مجالس للتدريس : من الصباح إلى الضحى ، ومن الزوال لصلاة الظهر ، ومن صلاة العصر إلى الغروب ، وكان جهير الصوت فصيح اللسان ، وله قلم بارع في النوازل وحل المشكلات وبيان المعضلات ، وأفتى في الحوادث النازلة في وقته ، وكان مقداما على الحق لا تأخذه في اللّه لومة لائم . وكان - أولا - إماما بمسجد سيدي أبي الشتاء بحارة قيس ، ثم ولي الإمامة والخطبة بمسجد باب الجيسة ، ثم ولي الإمامة بمسجد الأبارين من حارة قيس ، وحج وزار ولقي بمصر والحرمين وغيرها غير واحد من الأخيار ، وممن لقي بهم : الشيخ الحفناوي وأخذ عنه وتبرك به ، هو ومولاي أحمد الصقلي وسيدي عبد المجيد المنالي ، إذ كان في رفقتهما ، وكان خروجهم للحج من فاس ثاني رجب سنة ثمان وخمسين ومائة وألف . وأخذ النحو عن جماعة ؛ منهم : سيدي أحمد الوجاري ، وأبو عبد اللّه الجندوز ، وولد عم أبيه سيدي محمد العراقي ، والفقه وغيره عن سيدي محمد جسوس ، وسيدي أحمد بن مبارك ، وأبي عبد اللّه المسناوي . وله سند في المصافحة والمشابكة عن سيدي أحمد بن أحمد السوسي المراكشي ، وأخذ عنه هو - رحمه اللّه - أقوام ؛ منهم : ابن عمه العلامة سيدي زيان العراقي . توفي من غير عقب بالطاعون غروب شمس يوم الأحد ، ثامن ، أو ثاني ، أو تاسع رجب الفرد الحرام عام ثلاثة وستين ومائة وألف ، ودفن ضحوة غد وفاته . قال في " النشر " : « بروضة ، وهي القديمة لأهله ، بباب المسافرين من فاس ، وبنيت عليه قبة ، وكان في جنازته مشهد عظيم من الخلائق ، وكانت عليه لوائح الحرمات ، وشواهد الخيرات ، وتقدم للصلاة عليه شيخنا الإمام سيدي الكبير السرغيني بإيصاء منه ، رحم اللّه الجميع بمنه وكرمه » . ه . وقال في " سلوك الطريق الوارية " : « توفي هو وزوجته في ساعة واحدة بالوباء ، وأقبرا معا متجاورين في شهر ربيع الثاني عام ثلاثة وستين ومائة وألف ، ودفن هو وزوجته عدوة الأندلس بروضة بين مسجد الأنوار وباب المسافرين قرب الشيخ سيدي علي الحجام ، وكانت له جنازة عظيمة جميلة ، حضرها العام من الناس والخاص ، وبنيت عليه قبة هنالك » . ه .