محمد بن جعفر الكتاني

410

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وكان مستغرق الأوقات في رؤية النبي صلّى اللّه عليه وسلم يقظة ومناما حتى كان يقول : « مهما خطر ببالي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وجدته هو وأصحابه العشرة الكرام البررة حاضرين بين يدي ؛ حسا لا معنى ، ونتكلم معهم ، ونأخذ العلم والعمل من عين العلم والعمل صلّى اللّه عليه وسلم » . وكان تلميذه العارف باللّه مولاي العربي الدرقاوي يقول فيه : « واللّه ما كان شيخنا مولاي علي الجمل إلا أكبر استغراقا في ذات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم من أبي العباس المرسي ! » . وقال في رسائله : « ترجح لي - واللّه أعلم - أنه أقوى من سيدي المرسي بما رأيت منه من الاستغراق في رؤيته صلّى اللّه عليه وسلم ومخاطبته إياه » . وكان من أهل التصريف في وقته ، حتى قيل : إنه كان يزطط « 1 » القوافل بهمته ، وربما كان يخرج لباب المدينة ويأخذ من أرباب القافلة درهما لكل جمل من أجمالها ، فيذهبون ويربحون في سلعتهم ويرجعون للبلد سالمين غانمين . واتفق في يوم من الأيام أن بعض أرباب القافلة تشطر « 2 » معه في جمل ؛ فلم يعطه عليه شيئا . فخرج فيهم اللصوص ونهبوا لهم ذلك الجمل وحده ، لم ينهبوا لهم غيره ، وشاع ذلك في البلد ، ولم يتشطر معه بعد ذلك أحد . وأدرك - رضي اللّه عنه - القطبانية العظمى ، بل عاش فيها جل عمره ؛ على ما ذكره تلميذه مولاي العربي في رسائله ؛ ونصه : « وأستاذنا - رضي اللّه عنه - قد كان يسأل القواربط بفاس البالي عمره اللّه من حانوت إلى حانوت كالمضطر الكبير ، مع أنه قد عاش غوثا جل عمره ، وقد تعدى عمره ثمانين سنة » . ه . وكان - كما ذكره أيضا - تلميذه المذكور يعرف أربعا وعشرين طريقا في الحكمة ، كل طريق منها تقيم الساعي لدار الملك ، ومع ذلك كان يسأل القواريط من الناس بالأسواق ويده ترتعش من [ 359 ] شدة الكبر ، ومن أراد أن يعرف مقامه في التحقيق ، وينطق في علو مرتبته في الطريق ؛ فليطالع كتابه الذي ألفه ؛ فإنه عزيز الوجود ، وفيه من الفوائد ، خرق العوائد . وقد كان الشيخ سيدي عبد الواحد الدباغ - رضي اللّه عنه - يقول : « لا يعرف سيدي عليا إلا من كان هو سيدي علي ! » ، أي : من كان في مقامه . ويقول أيضا : « كان سيدي علي فقيها كبيرا ، عالما شهيرا في علم الضدين » ، يعني : الحقيقة والشريعة ، والحرية والعبودية ، والجمع والفرق ، والسكر والصحو ، والسلوك والجذب ، والفناء والبقاء . . . وما أشبه ذلك .

--> ( 1 ) يزطط : يكون سببا في الربح والسلامة . ويسلك بقوافل المسافرين مسالك النجاة ، ويبعد عنها الأخطار . ( 2 ) تشطر : ساومه في الثمن . واللفظة وسابقتها من العامية المغربية . ولهما أصل في اللغة .