محمد بن جعفر الكتاني

373

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

جماعة من أصحابه طلبوا منه أن يأذن لهم في بناء زاوية يجتمعون فيها عليه ، فأخرهم عن ذلك في ذلك الوقت ، ثم أخبرهم أنه : رأى مولانا إدريس - رضي اللّه عنه - واستأذنه في ذلك ؛ فقال له : « يا ولدي محمد الدباغ ؛ لا تعمل لك زاوية ، اترك الكون يكن لك زاوية ، كثرت الزواوي ، وقل من يداوي » ، ولم يعمل زاوية ، وبقي يجتمع معهم في بعض المساجد ، وفي الدور والبساتين ومواضع النزهة لا غير . وكان الناس يقصدونه في حوائجهم المهمة ؛ فتقضى لهم بطريق الغيب والهمة ، وظهرت له كرامات ، وخوارق عادات ، وتلمذ له الكثير ، وظهر على يديه الخير الكبير ، ولقي كثيرا من الأخيار ، والصلحاء الأبرار ، بفاس وبغيرها ، وتبرك بهم ، واستفاد منهم ومن أخبارهم ؛ كالشيخ الصالح العارف سيدي أبي القاسم بن أحمد التادلي السجدالي دفين مصلى باب الشريعة ، والشيخ الولي الكبير العارف الشهير سيدي عبد القادر العلمي صاحب المزارة العظيمة بمكناسة الزيتون ، والولي العارف سيدي الطيب بن محمد الكتاني دفين مصلى باب الفتوح ، والولي الأشهر سيدي أحمد الغوان دفين باب الحمراء من داخل باب الفتوح . . . وغيرهم ممن يكثر . إلا أنه كان يشير إلى أن حصول الفتح الأكبر له إنما كان على يد مولانا إدريس الأنور ، وكان كثير التعظيم لجنابه ، كثير الترداد إلى أعتابه ، يلهج كثيرا به ، ويشير إلى عظيم ما منحه اللّه به من قربه ، ومن الكمالات العظيمة ، والمناقب الجسيمة ، ويجل أمره ، ويعظم قدره ، ويقدمه على كل من هو بالمغرب من أوليائه ، وخواصه وعلمائه ، ويشير - أيضا - إلى أنه يتصرف في جميع هذا المغرب الأقصى بجملته ؛ وأنه لا تصرف لأحد فيه إلا عن إذنه ومشورته ، وإلى استمداد جميع أهله منه أفرادا وأوتادا ، وأقطابا وعبادا [ 328 ] . وكان قبل لزومه له كثير التطواف على غيره من الأولياء الأموات ، زوارا لهم ولأضرحتهم ، ملازما للمقام في أمكنتهم . وكان يسرد عليه البخاري كل عام في الأشهر الثلاثة بزاوية سيدي عبد القادر الفاسي ، بالركن الذي عن يمين المحراب ؛ وحضرت معه فيه في السنة الأخيرة ، وكنا نجالسه ؛ فنسمع منه في الكلام على الأحاديث وآيات القرآن وكلام القوم ما يبهر العقول ، إلا أني كنت صغير السن إذ ذاك ، فلم أعقل على كثير مما كنت أسمع منه . وأخذت عنه الحديث المسلسل بالمصافحة النبوية ، وبالمشابكة ؛ فصافحني وشابكني ، وذلك بالضريح الإدريسي ، وكان له اجتهاد في الذكر والتلاوة والعبادة ، خصوصا في رمضان ، وأكثر ما كان يأوي إلى مسجد القرويين قريبا من الخلوة ، وإلى ضريح مولانا إدريس بإزاء الكرسي الذي يقابل خصة الصحن يسار المتوجه إلى القبة .