محمد بن جعفر الكتاني

310

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

أصله - رحمه اللّه - من عرب الشاوية أهل بلاد تامسنا ، وإليهم نسبه الذي به يدعى ، وهم من العرب الحجازيين من أحياء بني هلال وسليم الذين نقلهم العبيديون ملوك مصر إلى صعيد مصر ، ثم دفعوا إلى برقة وإفريقية ، ثم إلى المغرب ، أدخلهم إياه يعقوب المنصور الموحدي ، كل ذلك لأسباب ذكرها ابن خلدون . وكان هو القادم على فاس ؛ قدم عليها من بلاده بعد بلوغ الحلم ، فاتصل بالشيخ العارف سيدي أحمد بن يحيى الهواري اللمطي دفين محلة النواعريين من فاس القرويين ، فأخذ عنه وأكب عليه ، وانضم له بكليته ، وانضاف إليه ، وسلب له الإرادة ، وألقى إليه قياده ، وكان يلازم باب داره بقصد قضاء حوائج الشيخ من إيصال عجين أو طحين بمحلهما ، وردهما إلى الدار ، وشراء ما يحتاج إليه من لحم وخضرة وفاكهة وغير ذلك من أمور النفقة وغيرها ، ويعلف له فرسه ، ويقوم بمئونتها من إيرادها الماء وربطها في الأروى . . . ونحو ذلك ، وهو مع ذلك لابس جلابية فقط ، يفتل العزق . ثم زوجه الشيخ امرأة من عنده من الدار ، وأسكنه وأعطاه بيت أروى بباب داره ؛ فكانت المرأة تخدم داخل الدار ، وهو خارجها ، ثم بعد مدة طويلة ؛ سكن [ 274 ] عن إذن الشيخ دارا أخرى في محل قريب من محل الشيخ ، وبقي هناك إلى أن انتقل بعد وفاة الشيخ لداره المجاورة لروضته . وكان يفيض عليه الحال في حياة شيخه ، ويطلب منه أمورا يزعجه إلى طلبها باعث الحال ، وما لاح له بنور البصيرة ، من حصولها في المآل ، فكان كثيرا ما يقول له : « يا سيدي ؛ أعطني الدنيا والآخرة ، وأعطني أربع نسوة ، وأعطني من يخدمني » ، وربما يكون ساجدا ويطلب ربيعة مملوءة بمثاقيل الذهب ؛ قال في " نشر المثاني " : « وهذا طلب حالي لا اختياري » . وكان لشيخه اعتناء به ، وربما يريد الشيخ إخفاء ذلك عن الحاضرين ، فيزجره بلسانه ، ويظهر عدم الإقبال عليه وهو يمده باطنا ، وكان ينوه أحيانا بقدره ، ويشير أوقاتا إلى ظهور أمره ، وأنه صاحب سره ، والمنفرد بحمله ، في حكايات شائعة . من ذلك أنه : قيل له يوما : « إن أهل دار الشيخ تمنوا توت الزروب » . فذهب من فوره إلى لمطة ، وملأ منه سلة وجاء بها لدار الشيخ ، واتفق عندما ذهب إليه أن الشيخ كان جالسا مع أصحابه في سماع ؛ فقال وهم كذلك : « ذهب بها صاحب التوت » . يعني : بالحكمة التي يصحب المشايخ عليها . وجاء مرة إلى الشيخ قرب وفاته ؛ فوجده مع أصحابه وهو يقول : « ليطلب كل واحد منكم ما شاء » ، فطلبوا . فقال : « هل بقي أحد ؟ » . قالوا : « ما بقي إلا الشاوي » . فأمر به ؛ فأدخل عليه ؛ فقال له : « اطلب أنت ما بدا لك » . فقال : « أطلب الدنيا والآخرة » ، فقال له : « طلبتهما معا ؟ ! » . فأعاد الشيخ وأعاد له ، وفي الآخرة قال له الشيخ : « أعطاكهما اللّه معا » .