محمد بن جعفر الكتاني

294

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

عظيما وتربى به وتهذب ، وتخلق وتأدب ، وكان من كبار أصحابه وخواصهم ، وذوي الأحوال العجيبة منهم ، متقشفا زاهدا ، ورعا متواضعا ، صابرا حليما ، محتملا صادقا ، مخلصا [ 260 ] عارفا معرفا ، سالكا مسلكا ؛ يربي المريدين ، ويرشد المرادين ، ويترقى في مقامات اليقين ، ويؤم أولياء اللّه المتقين ، وقد ظهرت له رضي اللّه عنه كرامات ، وخوارق عادات . وله زاوية وأتباع ، وأصحاب وأشياع ، ظهرت عليهم بركته ، وشملتهم عطفته ، وزاويته المشار إليها : هي التي برأس عقبة حومة جرنيز ، قرب داره ، وكان - رضي اللّه عنه - يجلس بها ، ويجتمع عليه أصحابه فيها ، وكانوا على أكمل حالة في القيام بأمور الدين ، والتخلق بأخلاق المهتدين ، معمرين أوقاتهم بالذكر والأذكار ، والصلوات والقيام بالأسحار ، سالكين سبيل الجد والاجتهاد ، والقيام بوظيفة الأحزاب والأوراد . وسبب تلقيبه بالبدوي : أن والده المذكور ذهب للحج ؛ فلما بلغ مصر ذهب لزيارة سيدي أحمد البدوي في يوم من الأيام ، وكان يوم موسمه ، فحلف لا باع ولا اشترى في ذلك اليوم ، وإنما يتفرغ للزيارة ؛ فسأل اللّه تعالى عند قبره أن يرزقه ولدا صالحا ، وقال : « إن أعطانيه اللّه تعالى ؛ لأسمينه باسم هذا الولي تبركا ، ورجاء أن يكون مثله » ؛ فاستجاب اللّه دعاءه ، فإنه بعد ما رجع من الحج ازداد عنده صاحب الترجمة ؛ فسماه بالاسم المذكور ، وظهر عليه بعد ذلك فضل هذه التسمية وبركتها . وقد كان شيخه مولاي العربي الدرقاوي يشهد له بالصديقية ، وذكر بعضهم أنه لم يخلف مثله في مقامه وحاله ، وأنه هو وارث سره وخليفته من بعده . وذكر تلميذ صاحب الترجمة الشريف الفقيه ، المرشد النبيه ، الشهير الذكر في الآفاق ، الواقع على جلالته وولايته الإطباق ، العارف باللّه ، الدال بحاله ومقاله على اللّه ؛ أبو عبد اللّه سيدي محمد العربي بن محمد الهاشمي المدغري الحسني ؛ المتوفى في أواخر شهر جمادى الأخيرة من عام تسعة وثلاثمائة وألف ، في تأليفه له ضمنه التعريف بشيخه المذكور ، صاحب الترجمة ، وذكر فيه أحواله ، وبعض مناقبه ومعارفه ؛ أنه - رضي اللّه عنه - أدرك درجة القطبانية الغوثية ؛ قال : « ومن رأى رسائله وتآليفه في أنواع العلوم ؛ خصوصا علم الحقائق ؛ لا يمتري في أنه قطب زمانه ؛ لأن الأوصاف التي ذكر أهل الطريق للقطب ، والعلوم التي ذكروا أنه مختص بها كلها موجودة في الشيخ رضي اللّه عنه » . ه . وقد وقفت على رسائله الكبرى في سفر كبير ضخم : وهي المسماة بكتاب " المناجاة الفردية الإلهية في تبيين معالم عزائم الطريقة المحمدية ، وكشف أستار الحقيقة الأحدية ، تبيينا واضحا لمن هو مخلص في النية ، مجد في [ 261 ] صفاء الطوية " ، وهي من أحسن الرسائل وأنفسها . وله أيضا رسائل صغرى .