محمد بن جعفر الكتاني

287

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

وكان - رضي اللّه عنه - يحب الخلوة من صغره ، ولا تجده فيها إلا قارئا أو مصليا أو ذاكرا ، بقي كذلك سنين عديدة ، وهو إذ ذاك بدار والده بدرب الحرة من هذه الطالعة . ثم إنه ذهب لزيارة الشيخ أبي عبد اللّه سيدي محمد بن ناصر الدرعي - دفينها - مع الفقراء ، وكان من عادتهم : الذهاب لزيارته في كل عام بالأركاب الكثيرة ، ولما دخل عليه قال له : « مرحبا بحبيبنا » ، وأجلسه بين يديه ، ولقنه الذكر ، وكان - فيما قيل - لا يفارقه مدة إقامته عنده ، ولما أراد الرجوع من عنده ؛ أوصى به أصحابه خيرا ، وقال لهم : « اللّه اللّه في ولدي الخياط ، استوصوا به خيرا إلى أن ترجعوا إلى دياركم ، وهو خليفتنا بالزاوية ، ومن تعذر عليه الوصول إلينا من الفقراء ؛ فليذهب إليه فمن رآه ؛ فكأنما رآني » ، ثم أمره بالدنو منه ؛ فدنا فساره في أذنه ساعة ، ثم دعا له بخير وودعه ؛ فأدرك السر من حينه . ولما وصل فاسا ؛ أقبل على عبادة اللّه تعالى ، وتلاوة القرآن ، وكان صواما بالنهار ، قواما بالليل ، لا تجده إلا تاليا أو ذاكرا ، أو مصليا . وكانت له قريحة قوية في إقامة الدين ، فطار صيته في البلدان ، وجاءت إليه البرابر والعربان ، وكثر [ 254 ] الازدحام على بابه ؛ فلم يشغله ذلك عن ربه ، ولا صده عن جنابه ، وبقي على ذلك مدة . ثم رجع لزيارة شيخه المذكور مرة ثانية ، ومعه عدد كثير من الفقراء ، فلما كان قرب تادلة ؛ لقي جماعة من الفقراء كانوا عند الشيخ بدرعة بقصد الزيارة ، وكان الشيخ بعث معهم عكازا ؛ وقال لهم : « إن لقيتم سيدي محمد الخياط في أثناء الطريق ؛ فأعطوه هذه الأمانة ، وقولوا له يرجع إلى مدينة فاس لقضاء حوائج الخلق فإنك تركتهم يتامى مهملين ، وذلك آكد من القدوم إلينا » . فلما سمع صاحب الترجمة كلامهم ؛ أخذ العكاز من أيديهم ، وامتثل ورجع لمدينة فاس ، ثم اشتغل ببناء زاوية شيخه المذكور الكائنة بحومة السياج ، حتى كملت بالبناء والتزليج ، وإجراء الماء ، وكان ينفق عليها من ماله الخاص به ، مع إعانة بعض الفقراء له ، وكانت الخلائق تتوارد عليه في كل يوم أفواجا أفواجا ، ولا يشغله ذلك عن عبادة ربه ، ولا عما يفعله في كل يوم من ورده ، وكان يذهب إلى الزاوية المذكورة في كل يوم جمعة ، مع جمع من الفقراء في وقت الصباح ، فيخرجون ورد الشيخ ابن ناصر ، ويقرءون سلكة من القرآن مع بعض الأدعية على عادة الفقراء وكثر الازدحام في الزاوية المذكورة ، وعظم نفع الخلائق على يديه . وممن أخذ عنه وانتفع به : أبو العباس سيدي أحمد الخطاب من حفدة الشيخ القطب سيدي عمر الخطاب دفين جبل زرهون ، وظهرت له - رضي اللّه عنه - كرامات لا تحصى ، ومآثر كثيرة لا تستقصى ، وقد ذكر جملة منها - مع بعض ما يتعلق بأخباره - صاحب " جواهر السماط في مناقب سيدي عبد اللّه الخياط " . . . فراجعه .