محمد بن جعفر الكتاني
268
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
العربي المذكور قد بات هناك عند بعض الناس ، وهو يركب في ذلك الوقت على بغلة له ومعه بعض أصحابه ؛ قال : فقلت : « أذهب معه وأستأنس به في هذا الليل » ، قال : « فما وصل إلى درب من الدروب إلا قال لبعض أصحابه : مد يدك إليه وحله فيحله . حتى وصل إلى سابط الهيادريين الذي به سيدي محمد التواتي ؛ فقام سيدي محمد إليه وجعل يبندق « 1 » له ويقول : اللّه يبارك في عمر سيدي . حتى بندق له ثلاث مرات ؛ فقال له الشيخ سيدي الحاج العربي : أمحمد التواتي ، هل عمر المشور « 2 » ؟ . فقال له : نعم يا سيدي ؛ فقال له : هل اشتكى بنا أحد ؟ فقال له : لا ؛ فكر راجعا من حيث جاء » . قلت : وهذه القضية تدل على أنه من أهل مشور سيدنا ومولانا إدريس رضي اللّه عنه ، وناهيك بذلك ؛ فإنه لا يحضره إلا الأكابر . توفي - رحمه اللّه - ثاني شوال عام أربعة وخمسين ومائتين وألف ، ودفن بعد الصلاة عليه بالقرويين بالزاوية المذكورة يسار محرابها قريبا منه ، وكسرت العامة أعواد نعشه تبركا . [ 214 - العلامة سيدي محمد بن أحمد الصباغ البوعقيلي ] ( ت : 1076 ) ومنهم : الفقيه الجليل ، العلامة المشارك النبيل ، الحيسوبي الفرائضي ؛ أبو عبد اللّه سيدي محمد بن أحمد الصباغ لقبا ، البوعقيلي نسبا . أصله من مكناسة الزيتون ، ونشأ بفاس ، وأخذ بها عن أبي العباس ابن القاضي ، وابن عمه أبي عبد اللّه محمد ابن القاضي . . . وغيرهما ، وكان - رحمه اللّه - عارفا بعلم الحديث ، مشاركا في الفقه ، ماهرا في علم الحساب والهيئة والفرائض ، سلم له أهل عصره في ذلك ، ورجعوا له في خبايا تلك العلوم ، وتصدى هو لتعليمها ، فانتفع به قوم . وله شرح حسن على المنية لابن غازي ؛ سماه : " البغية في شرح المنية " ، وله " اليواقيت في الحساب والفرائض والمواقيت " ، و " كشف قناع الالتباس عن بعض ما تضمنته من البدع مدينة فاس " ، وشرح " الروضة " ، واختصر شرح المنجور على " المنهاج " ، وله غير ذلك من التقاييد الحسنة . توفي - رحمه اللّه - عام ستة وسبعين وألف . قال في " الصفوة " : « ودفن بعين أصليتن بدار ضريح ابن عبد الكريم من فاس ، وعمره ست وثمانون سنة » [ 239 ] . ه .
--> ( 1 ) البندقة : انحناء على هيئة الركوع ، يفعل عادة للسلاطين . ( 2 ) المشور : قصر الملك . واللّه يبارك في عمر سيدي : تحية يحيى بها الملوك في العادة .