محمد بن جعفر الكتاني

4

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

دار علم وفقه يتلى بها كتابك ، وتقام بها حدودك ، واجعل أهلها متمسكين بالسنة ما أبقيتها . ثم أخذ المعول بيده فابتدأ بحفر الأساس » . وقال الشيخ الإمام ، الولي الصالح ، العالم المتفنن أبو عبد اللّه سيدي محمد بن أحمد الشطيبي الأندلسي في كتابه " الجمان في مختصر أخبار الزمان " ما نصه : « وأخبار مدينة فاس وعجائبها وغرائبها وأولياؤها وصلحاؤها لا تحصيهم العبارة » . ولكن لقلة اعتناء أهل هذا المغرب بالتاريخ ضاع أكثرهم ، وخفي على كثير من الناس جمهورهم ومعظمهم . وفي " المحاضرات " للعلامة اليوسي ، بعد أن ذكر أن شيخ مشايخه أبا عبد اللّه سيدي محمدا العربي الفاسي رضي اللّه عنه ، كان شديد الاعتناء بالأخبار والوقائع ما نصه : « وكان أبو عبد اللّه المذكور يذكر في كتابه : " مرآة المحاسن " أنه كم مر في المغرب من فاضل قد ضاع من قلة اعتنائهم - يعني : بالتاريخ - وهو كذلك » ، وعبارته في " المرآة " بعد أن ذكر فيها أن جماعة من العلماء وسموا المغاربة بالإهمال ، ودفنهم فضلاءهم في قبري تراب وإخمال ؛ هي ما نصه : « فكم فيهم من فاضل نبيه ، طوى ذكره عدم التنبيه ، فصار اسمه مهجورا ، كأن لم يكن شيئا مذكورا » . وفي كتاب " سلسلة الذهب المنقود ، في ذكر الأعلام من الأسلاف والجدود " للفقيه النبيه ، الحبر النزيه ، الحجة الحافظ أبي العباس أحمد ابن الفقيه أبي عبد اللّه محمد الخياط ابن إبراهيم الدكالي المشنزائي ، نقلا عن الشيخ الإمام العلامة البركة أبي محمد سيدي عبد السلام القادري الحسني في تقييد له ذكر فيه التعريف بابن أبي زرع صاحب التاريخ ما نصه : « وكم عالم كبير ، وولي شهير ، في القطر المغربي ، أهمل التعريف به المغاربة ، المتقدمون منهم والمتأخرون ، حتى التحق عند المتأخرين بمن جهل حاله وزمانه » . وقال صاحب " التنبيه ، على من لم يقع به من فضلاء فاس تنويه " ، في طالعة كتابه المذكور ما نصه : « ومعلوم من شأن أهل هذه البلاد - يعني : المغربية - عدم الاعتناء بالتعريف ، والتصدي لذلك بتأليف أو تصنيف ، فكم من إمام مضى وسيد جحجاح ، موصوفا بالعلم أو مشهورا بالخير والصلاح ، لم يقع لهم به اعتناء واحتفال ، بل ألقي في زوايا الإغفال والإهمال ، واعتبر [ 3 ] بسيدي أبي غالب الصاريوي بفاس ، ومولانا عبد السلام ، وسيدي أبي سلهام ، وسيدي عمر الراعي ، وسيدي أبي بكر ذي الجائزة . . . وغيرهم ممن يكثر مع اشتهارهم ، وشد الرحال إليهم ، ومشاهدة البركات الكثيرة الظاهرة لهم ، هل لهم تراجم أو وقع بهم اعتناء أو إلمام في تأليف ؟ ! ، فلا يلزم من عدم التعريف بهم نفي الخير عنهم . ومدينة فاس ، أدامها اللّه للإسلام ، مرت عليها قرون كثيرة ، وفي كل قرن احتوت على