محمد بن جعفر الكتاني

171

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

[ 92 - الإمام الأديب سيدي محمد ( فتحا ) بن عبد الرحمن ابن زكري ] ( ت : 1144 ) ومنهم : الشيخ الإمام : العالم العلامة الهمام ، المشارك المحقق ، الصوفي المدقق ، الحجة الضابط الأرقى ، الولي الصالح الأتقى ؛ أبو عبد اللّه سيدي محمد ( فتحا ) بن عبد الرحمن ابن زكري الفاسي المولد والمنشأ والوفاة . كان - رحمه اللّه - في أول أمره يحترف بصناعة الدباغة مع والده ، وكان والده مصاحبا لسيدي محمد بن عبد القادر الفاسي ، وملازما لمجلس تدريسه ، وكان هو يحضر مع والده فيه ، وكان لصغره يجلس في مؤخر الناس ، وكان يبحث مع الشيخ كثيرا ويسأله ، وكان الشيخ يعجبه سؤاله ويستحسنه من غير أن تكون له به معرفة ، ثم إنه أقامه يوما من المؤخر وأجلسه قريبا [ 158 ] منه ، وقال له : « مثلك لا يتأخر ! ! » ، ثم رآه يوما وفي يده أثر الدبغ ؛ فسأل عنه ؛ فقيل له : « إنه ولد سيدي عبد الرحمن ابن زكري » . وقال له والده : « هو ولدي ! » . فقال له الشيخ : « وهل يخدم الصنعة ؟ » ، قال : « نعم » . فقال له الشيخ : « إنه لا تناسبه الصنعة ، وإنما تناسبه القراءة ؛ لنجابته وفطنته ! فأخرجه من الصنعة ولا تتركه فيها أصلا ، واجعله في قراءة العلم ، ولك أجره ، وإن عجزت عن شيء من مؤونته ، فأنا أعينك ! » . فأخرجه عند ذلك والده وتركه لقراءة العلم ، فكان يقرأ حتى فتح اللّه عليه . كذا ذكر صاحب " سلوك الطريق الوارية " . وفي " تحفة الإخوان " : « إن الذي منعه من صناعة الدباغة وأمره بالقراءة : الشيخ سيدي الحاج الخياط الرقعي ، دفين الشرشور من عدوة فاس القرويين » ، قال بعضهم : « ولا معارضة بينهما ؛ احتمال اجتماع رأي الشيخين معا على ذلك » . قال : « إلا أن النسبة إلى الشيخ الرقعي أشهر وأصح . . . » . واللّه أعلم . وكان سكناه بالديوان من حومة الصاغة ، ويؤم بالمسجد الكائن هنالك ، وكانت له به مجالس علم ، ويقرأ فيه صبيحة الخميس والجمعة " الحكم " لابن عطاء اللّه ، وكانت له فيه عمارة كبيرة ، حتى ضاق المسجد ، وصنع به مقعد يجلس عليه من لم يسعه المسجد من الازدحام ، وذلك قبل توسيع المسجد المذكور وإقامة صلاة الجمعة فيه ، لأن توسيع فضائه وتجديد بنائه وإقامة الجمعة فيه إنما كان في أواخر العشرة الأولى من القرن الثالث عشر على يد السلطان مولانا سليمان بن محمد العلوي - رحم اللّه الجميع .