محمد بن جعفر الكتاني

147

سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس

متمسكا بسنة الرسول ، فيما يفعل أو يقول ، زاهدا في الدنيا وأربابها ، غير متعاط لشيء من أسبابها ، إلا ما كان في أول أمره ، فقد كان معتكفا على نسخ كتب الحديث وبيعها لضرورياته ؛ سيما صحيح البخاري ، فقد كتب منه عدة نسخ ، وهي في غاية الصحة ، ونهاية الإتقان ، مؤيدا على ذلك بحسن الخط ، وتمام الضبط » . « وأصحابه يحدثون عنه بأخبار من جهة المشاهدة الغيبية تقطع بخصوصيته ، وكمال عرفانيته ، ويذكرون له من الكرامات ما لو صرفت لجمعه العناية ؛ لم يوقف على حصره ، والمجموع من ذلك إنما يكون غرفة من بحره ، زاره الوالد - يعني : أبا الفيض سيدي حمدون ابن الحاج - في يوم المولد النبوي من سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف ، فلما تصافحا ؛ قبض على يده وغمض عينيه ، تغميضا خارجا عن المعتاد ، ثم فتحهما كذلك ؛ فخرج الوالد وهو يبكي ، وقال : إن هذا الرجل من الأولياء ، أشار بتغميض عينيه وفتحهما [ 138 ] إلى انقضاء أجلي من الدنيا ، وصيرورتي إلى عالم آخر . فلم يبق بعد ذلك الوالد إلا خمسة وعشرين يوما وسقي خمرة المنون ، وجرت لفقده بالدماء العيون ، وتوفي صاحب الترجمة بعده بسبعين يوما وهو ابن اثنتين وسبعين سنة ، ودفن مع والده بزاويتهم المباركة ، وهي اليوم مجتمع المنتسبين لهم من الفقراء ، ومن بقي من أتباعهم الفضلاء . . . » . انتهى ، كلام " الإشراف " فيه . وقد كان علماء وقته - رضي اللّه عنه - يزورنه ، ويذهبون إليه ويقصدونه ، ويلتمسون بركته ، ويطلبون عطفه ومودته ، ومنهم من أخذ عنه ؛ كالشريف العلامة المشارك أبي محمد سيدي عبد اللّه المدعو : الوليد بن العربي العراقي الحسيني ، وقد أورده في كتابه المسمى " بالدر النفيس فيمن بفاس من بني محمد بن نفيس " ، وعده فيه من أشياخه الذين أخذ عنهم وتبرك بهم ، وحلاه بالشيخ الولي العارف باللّه ، الدال بحاله ومقاله على اللّه ، الواصل الكامل ، السني الفاضل ، ذي البركات التي لا تحصى ، والكرامات التي لا تستقصى . . . ثم قال : « كان - رحمه اللّه - شيخا كاملا ، مربيا سالكا ، جامعا بين الشريعة والحقيقة ، على قدم أبيه ، وكان ملامتي الحال ، لا يتميز عن أحد من خلق اللّه بشيء . والملامتية - كما قال " الحاتمي " - هم أكمل الرجال . . . ثم قال : ذكر لي شيخنا العالم الأريب ، الألمعي الأديب ، أبو عبد اللّه محمد بن أبي بكر اليازغي - رحمه اللّه - عن بعض الفضلاء ، أنه : رأى المصطفى صلّى اللّه عليه وسلم فسأله عن صاحب الترجمة ؛ فقال صلّى اللّه عليه وسلم : نعم الولد . . . » . انتهى المراد منه . ولد - رحمه اللّه - سنة ستين ومائة وألف ، وتوفي قبل الزوال من يوم الاثنين سابع عشر جمادى الأخيرة سنة اثنتين وثلاثين ومائتين وألف ، ودفن مع والده المذكور بإزائه ، متصلا به من جهة القبلة ، وترك - رضي اللّه عنه - ولدين فاضلين :