محمد بن جعفر الكتاني
142
سلوة الأنفاس ومحادثة الأكياس بمن أقبر من العلماء والصلحاء بفاس
ولد - رحمه اللّه - كما نقله في " الروضة المقصودة " عن خط ولده سيدي محمد عنه - سنة اثنتي عشرة ومائة وألف ، ونشأ مكفولا بالصيانة والعفاف ، راضعا لبن الاتصاف بجميل الأوصاف ، حفظ القرآن وجود رسمه ، وأدمن تلاوته ليله ويومه ، وتفقه ما شاء اللّه على علماء عصره ، ولازمهم في تعليم ما يقيم به شعائر دينه في سره وجهره ، ثم تجرد للعمل كيما يظفر بالأمل ، فكان يصوم بعض الأيام ويقوم بعض الليل ، ويتلو ما تيسر من القرآن ، ويطلب طريق التصوف ، ويطالع كتب القوم ، سيما " شرح الشيخ ابن عباد " على " الحكم " ؛ فإنه كان لا يفارقه ليلا ولا نهارا ، وكان له دكان يبيع فيه العطر بالعطارين الكبرى من ناحية المدرسة ، لا تراه فيه إلا مكبا على الشرح المذكور ، وما ذهب لموضع إلا وكان معه تحت إبطه ، وكان مع ذلك رطبا [ 133 ] هينا لينا ذا أخلاق كريمة ، وسيرة جميلة جسيمة ، طويل الصمت ، دائم الفكرة ، مشتغلا بما يعنيه ، تاركا لما يعنيه . وذهب إلى وازان فزار بها الشيخ مولاي الطيب بن محمد الوازاني اليملاحي الحسني ، وتبرك به ، فأعطاه موزونة واحدة فضة ، فبشره بعض أصحابه - أي : أصحاب مولاي الطيب - بأنه يكون له أتباع بمدينة فاس ، لأن المدن من أهل الورق . فصدقه اللّه في ذلك . وكانت له صحبة كبيرة واخوة عظيمة مع الفقيه العلامة الصوفي أبي محمد سيدي عبد المجيد المنالي ، الشهير بالزبادي ، فكان كثيرا ما يبيت عنده ، وزار معه الشيخ مولانا عبد السلام مرارا ، وحجا معا في رفقة واحدة ، عام ثمانية وخمسين ومائة وألف . وقفلا في السنة التي بعدها ، اجتمعا فيها بمصر مع الشيخ أبي عبد اللّه محمد ( فتحا ) بن سالم الحفناوي المصري الشافعي ، وأخذا عنه الطريق والإذن ، واعتمد عليه صاحب الترجمة ، فكمل له المقصود : ولاحت عليه الأنوار من كل جانب ، وظهرت له علامات الخير منه . ولقي أيضا غيره من أهل مصر ، والحرمين ، وطرابلس ، والجريد ، وانتفع به هنالك قوم . ولما رجع من حجته هذه فشا سره وشاع أمره ، واجتمع عليه الناس وقصدوه وأخذوا عنه ، ثم أعلن بالأمر ، ودعا إلى اللّه في السر والجهر ، وأذعن إليه المنتسبون وأتوه من كل حدب ينسلون ، بعد ما حج الحجة الثانية ، عام سبعين ، فكان بعدها يحيي مع أصحابه الليالي بالذكر ، ويعطي الورد ويبوح بالسر ، ويفعل الذكر أيضا نهارا في بعض النزهات ، أو عند بعض الأصحاب والخلوات ، وفي المواسم والأعياد ، وكثيرا ما كان يجتمع مع أصحابه أيضا في المكتب الذي بالدرب الطويل ، عند دار الشرفاء الصقليين ، ولما كثروا طلبوا منه أن يبنوا زاوية ، فقال : « تكفينا روضة سيدي أبي عياد الورياجلي التي بالصاغة » . فكانوا يذكرون فيها عشية يوم الجمعة ، وأكثر ما تراه صامتا وهم يذكرون ، ثم ينطق بالكلمة أو الكلمتين أو يقول : قولوا كذا . ومقدم أصحابه حينئذ الشيخ سيدي أبو شعيب المطيري .