عبد الحي بن فخر الدين الحسني
31
نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر
يقول وكل فعل يفعل يلتجئ إلى اللّه سبحانه ويستعين به ، ولا يستبد بقليل وكثير بنفسه دون الالتجاء والاستعانة ، ولا يقول ولا يفعل إلا بنية يلقى اللّه تعالى بصحتها ، ويعلم العبد أن اللّه تعالى عبادا يسلك بهم طريق المقربين وهؤلاء قرة عينهم دوام الإقبال على اللّه تعالى بقلبهم وإدامة فعل الرضا بقالبهم ، وذلك يكون جميع زمانهم إما في الصلاة وإما في تلاوة القرآن وإما في الذكر ، ولا يكون للبطالة إليهم سبيل ، حظ نفسهم النوم فلهم فيه استراحة ، والأكل بقدر الحاجة ، ورعاية الاعتدال في النوم والأكل ؛ وهؤلاء القوم يزهدون في كثير من أبواب البر ويشغلهم ما يجدون في قلوبهم نقدا من الروح والأنس والتلذذ بمناجاة اللّه تعالى والمعاملة معه عن الوعد بما يكون من الثواب على البر ، وأن للّه تعالى عبادا تخلقون عن شاء « 1 » . وهؤلاء اشتغلوا بأبواب البر مما يتعدى نفعه ، والأصحاء منهم كانوا في حماية حسن النية ، ومنهم من دخل في أبواب البر بمتابعة هوى النفس ، وربما اتسع الخرق عليه فما زال يلعب به الشيطان حتى قطع عليه وقته وأشغله بكثير مما لا يغنيه عما يغنيه ، وخدع النفس كثير وشهواتها الخفية عن الوقوف عليها ، وصادق يستعين بالخلوة والعزلة على نبين ما يشتبه من أمره ؛ قيل أدنى الأدب الوقوف عند الجهل ، وغاية الأدب الوقوف عند الشبهة ، والمعنى بالجهل ما يجهل هل هو رضا الحق أم لا ، والمعنى بالشبهة أنه يعلم رضا اللّه تعالى ولكن عنده فيه شبهة تريبه ، فيتوقف في الشئ حتى يبين له الرشد ، ولا شئ يبين به الرشد كدوام الالتجاء والتضرع بين يدي اللّه تعالى عز وجل ، وإذا دعت النفس له إلى شئ ومالت إليه والعبد يقاومها والنفس تأبى الاحتراز فليخرج إلى الصحراء
--> ( 1 ) كذا في خزانة الفوائد لمؤلفه أحمد بن يعقوب بن حسين البتي الذي نقل منه المؤلف ، والنسخة الخطية محفوظة في مكتبة السيد نور الحسن بن الأمير السيد صديق حسن خان المودعة في مكتبة ندوة العلماء - الندوى .