عبد الحي بن فخر الدين الحسني
42
نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر
منصرفه من عند إبراهيم ، ففعل ذلك جعفر ، ومضى صالح بن بهلة إلى إبراهيم حتى عاينه وحبس عرقه وصار إلى جعفر ، فدخل جعفر على الرشيد فأخبره بحضور صالح بن بهلة فأمره الرشيد بادخاله اليه ، فدخل ثم . قال : يا أمير المؤمنين ! أنت الإمام وعاقد ولاية القضاء للأحكام ومهما حكمت به لم يجز لحاكم فسخه ! وأنا أشهدك وأشهد على نفسي من حضرك ان إبراهيم بن صالح ان توفى في هذه الليلة وفي هذه العلة ان كل مملوك لصالح بن بهلة حر لوجه اللّه ! وكل دابة له فحبيس في سبيل اللّه ! وكل مال له فصدقة على المساكين ! وكل امرأة له فطالق ثلاثا ! فقال الرشيد : حلفت يا صالح بالغيب ! فقال صالح : كلا يا أمير المؤمنين ! انما الغيب ما لا دليل عليه ولا علم به ، ولم أقل ما قلت الا بدلائل بينة وعلم واضح ؛ فسرى عن الرشيد ما كان يجد وطعم ، وأحضر له النبيذ فشرب ، فلما كان وقت العتمة ورد كتاب صاحب البريد بمدينة السلام بوفاة إبراهيم بن صالح على الرشيد ، فاسترجع وأقبل على جعفر بن يحيى باللوم في ارشاده إلى صالح بن بهلة ، وأقبل يلعن الهند وطبهم ويقول : واسوأتا من اللّه ان يكون ابن عمى يتجرع غصص الموت وأنا اشرب النبيذ ! ثم دعا برطل من النبيذ ومزجه بالماء وألقى فيه من الملح شيئا وأخذ يشرب منه ويتقيأ حتى قذف ما كان في جوفه من طعامه وشرابه ، وبكر إلى دار إبراهيم فقصد الخدم بالرشيد إلى رواق فيه الكراسي والمساند والنمارق فاتكأ الرشيد على سيفه ووقف وقال : لا يحسن الجلوس في المصيبة بالأحبة على أكثر من البسط فارفعوا هذه الفرش والنمارق ! ففعل ذلك وجلس الرشيد على البساط ؛ وصارت سنة لبني العباس من ذلك اليوم ولم تكن السنة كذلك . ووقف صالح بن بهلة بين يدي الرشيد ، فلم ينطق أحد إلى أن سطعت روائح المجامر فصاح صالح بن بهلة عند ذلك : اللّه اللّه يا أمير المؤمنين ان تحكم على بطلاق زوجتي فيتزوجها من لا تحل له ! اللّه اللّه ان تخرجني من نعمتي ولم يلزمني حنث ! اللّه اللّه ان تدفن ابن عمك حيا ! فو اللّه ما مات !