عبد الحي بن فخر الدين الحسني

2

نزهة الخواطر وبهجة المسامع والنواظر

اخبار الأدباء ، بل اذيله بذكر العلماء ، وأهل الفضل سواء كانوا من المشايخ أو الأمراء ؛ فاستقلت من هذا المقام الذي يضطر فيه صاحبه إلى أن يكون كحاطب ليل ، أو جالب رجل وخيل ؛ وذاكرته ان من كان أفضل منى في اكثار الرواية ، وقوة الحفظ وغزارة الدراية ؛ بذل جهده في ذلك ، فلم يتيسر له الوصول إلى ما هنالك ؛ فكيف هذا العبد الفقير ، في هذا المضمار الخطير ! مع قصور باعه ، وسقط متاعه ، وقلة فرصه ، وكثرة غصصه ؛ فلم يسعف بالإقالة ، ولا اعفى من المقالة ؛ فلبيت دعوته تلبية المطيع ، وبذلت في مطاوعته جهد المستطيع . ولولا من اللّه عز وجل - وله المنة على هذا العبد بالقوة على ذلك بعد المنة - لما تيسر له جمع الكتاب ، الذي هو أغلى من الذهب المذاب ، وأحلى من لذيذ الخطاب ، ومداعبة الأحباب ؛ لأن أهل الهند مع كثرة فضلائهم ووجود الأعيان في كل مكرمة على تعاقب الأعصار ليس لهم عناية كاملة ، ولا رغبة وافرة ؛ الا في دفن محاسن أكابرهم ، وطمس آثار مفاخرهم ؛ فلا يرفعون إلى علمائهم رأسا ، ولا يمدون إليهم يدا ؛ مع توفر رغباتهم إلى الاطلاع على ما لغيرهم من الشعراء والاشتغال الكامل بمعرفه أحوال مشايخ الصوفية والإكباب على جمع كشوفهم وكراماتهم وعلى كتبهم التاريخية وغيرها ، وإني لأكثر العجب من اختصاص المذكورين بهذه الحصلة التي هي سبب لدفن محاسن سابقهم ولا حقهم ، وطمس رفيع قدر عالمهم وفاضلهم ؛ ولهذا اهمل المصنفون في التاريخ على العموم ذكرهم ، لم يترجموا لأهل قرن من تلك القرون ، ولا ممن مضى في عصر من هاتيك العصور ، وإن ذكرهم المؤرخون منهم ترجموه ترجمة مغسولة عن الفائدة عاطلة عن بعض ما يستحقه ، ليس فيها ذكر مولده ولا وفاته ، ولا شئ من مسموعاته ولا مقروءاته ، لأن الذي ينقل أحوال شخص إلى غيره ينبغي له ان يكون من معارفه وأهل بلدته ، فإذا اهمله عارفوه اهمله غيرهم وجهلوا امره .