محمد جمال الدين القاسمي

53

طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري

فخرجنا جميعا فأدركناه مغمى عليه وذلك في الضحوة الصغرى ، فحينئذ بادرت لإحضار الأطباء ، فأشاروا ببعض وضعيات وبالانتظار أربعا وعشرين ساعة ، ولكن ما الحيلة وليس في الإمكان ردّ ما كان ولا حول ولا قوة إلا باللّه ، وبتنا ليلتئذ في حال وأي حال ، استعنا عليه بالصبر لأمر المولى المتعال ، وضحوة اليوم التالي ( السبت ) احتفل بمشهده احتفالا حافلا جدا يشهد بما له في قلوب الناس من سمو المكانة والمنزلة العليا ، مشى فيه جمع كبير من العلماء ، والشرفاء ، والأعيان ، وعوام لا يحصون عدا ، حتى غصت الشوارع والأسواق ، وهم آسفون على أفول ذلك البدر ، ذاكرين لصفاته الغرّ ومحاسنه التي أبكت مقلة الدهر ، فكان مشهدا مؤثرا ومأتما محزنا . وما كنت ترى إلا عينا تدمع وقلبا يصدع . وسئلت عن موضع الصلاة عليه أفي الجامع الأموي ، فقلت : بل في جامع السنانية الذي كان موطنا لعبادته مدة حياته السنية . فلما دخلنا الجامع قدّمت للصلاة عليه استاذنا العلامة شيخ الشام ومقدم علمائها الأعلام الشيخ بكري أفندي العطار ، زيد فضله المدرار ، ثم سرنا بمشهده الكبير إلى مقبرة الباب الصغير ، واستودعناه خزانة عفو اللّه وغفرانه وروضة كنز رحمته وإحسانه ، فكان مرقده الأعطر خلف مقام سيدي الجد الهمام ، وراء ضريح العلامة الشيخ إسماعيل الحائك مفتي الشام . ما كنت أحسب قبل دفنك في الثرى * إن الكواكب في التراب تغور ومن غرائب الاتفاق الذي وقع لسيدي المرحوم ، رضي اللّه عنه ، أنه وقف في الجامع الصغير . وكان أعاد قراءته ثانية بين العشائين في جامع السنانية عند الحديث