محمد جمال الدين القاسمي
46
طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري
العلامة الشيخ عثمان الدمياطي . وسافر صحبة شيخه العلامة الطنطاوي المتقدم سنة ( 1278 ) إلى مصر ، واستجاز من فضلاء أزهرها ، كالشيخ إبراهيم السقا ، والشيخ محمد الخضري . وفي آخر حجاته سنة ( 1310 ) أصيب بأحد أنجاله النجباء ، وهو الشاب الشيخ بشير ، لم يبلغ العشرين عاما ، وصبر على فقده صبرا جميلا . وكان من عادة شيخنا المترجم الملازمة على الخلوة في رمضان وعشر ذي الحجة . وكان مفردا في اللطف والبشاشة ومؤانسة الجليس ، موصوفا بوفور العقل والدهاء ، قوي الفراسة ، ثابت الجأش ، كثير الحلم والتؤدة ، لا تأخذه حدة . وقورا للغاية ، لا يمل جليسه حديثه . زيد بسطة في العلم والجسم ، محببا لدى الخاصة والعامة . وكان يجتمع عنده جمعية وافرة يوم الثلاثاء والجمعة في جامع المرادية لإسماع الحديث ، فيجلس لديه عدد عديد من عيون الطلبة وغيرهم على وقار وهيبة إلى انتهاء الدرس . وكان يوم الثلاثاء والجمعة عنده في الجامع المذكور من المجامع الغريبة كأنه موسم يوفد إليه من غالب أنحاء الشام حبا في المترجم لما حوى من مكارم الأخلاق ، وهو أحد مشايخي الذين صحبتهم وانتفعت بهم ، قرأت عنده كتبا عديدة من فنون متنوعة ولازمته ملازمة تامة ليلا ونهارا من سنة ( 1303 ) إلى عام ( 1309 ) وسمعت منه حصة وافرة من « الموطأ » و « البخاري » و « سنن أبي داود » و « الترمذي » وأجاز لي إجازة عامة . وكان يودّني المودة الأكيدة ويتفقدني إذا أبطأت عن زيارته لعارض ، ويقبل إليّ في مجلسه الإقبال الزائد ، ويخصني بالمحاورة والمحاضرة . وأصيب قبل وفاته بعام ونصف بغشاوة على بصره سرت للحدقتين وفقد الإبصار رأسا ، ثم تفقد أطباء الشام فقالوا : يمكن المعالجة ويزول هذا العارض ، فتوقف خشية عدم الفائدة ، ثم أشير عليه بالذهاب إلى بيروت والمعالجة ثمة ، فقصدها ،