محمد جمال الدين القاسمي

103

طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري

حديدا توجل النفوس منه وتشفق لاستيقان محاوره الغلب معه ، وأنه ليس من رجال ميدانه ، وأجلّته شيوخه ، وأضحى بهجة الدروس وزينة المجالس ومجلي غوامض المشكلات ، وعرف بذلك وشهر به شهرة أربت على أقرانه كلهم . وقد كان لمعاشريه راحة أنفسهم وقرة أعينهم ، إذ له من المحاضرة والنكت والأجوبة اللطيفة والشواهد العذبة ما يسلّي الحزين ويكشف الغمة . وقد فطر على سخاء ندر أن يوجد في كبار المثرين على قلة ذات يده ، وبلغ من ذكائه أن كان يدرك خفايا الأمور ودقائقها حتى من الصناعات والحرف والتجارة والمبيعات ، فكان لا يخفى عليه مكامن غش المصنوعات والمنسوجات والمبيعات على أنواعها ، وقد يظن من يساومه أنه ممن احترف بحرفته وعمل بصنعته لقوة إدراكه وشدة فطنته ، وكنت أشاهد منه عجائب وغرائب ، وأما سرعة فهمه لدقائق المسائل وغوامض العبارات لا سيما في المؤلفات التي اشتهرت بالصعوبة والغموض وإنها كالألغاز والأحاجي وإدراكه لها بأدنى التفات فأمر لم أره لغيره ، وقد أدرك ما أدرك من العلوم بمدة قليلة لأنه كان لا يعوزه لنيله إلا تصفحه والمرور عليه ، وربما كان شهره أيام طلبه بستين من غيره ، وكان في خلال ترداده على الشيوخ يقرئ الطلبة ويصبر على طول حصة الدرس ، وربما قضى معظم الليل معهم . وقد أقرأ في مدرسة التعديل بالقنوات وهو في عنفوان الشباب ، ولازمه كثير من طلبة العلم ، وأقرأ أيضا في مدرسة العدّاس في القنوات . وكان له حجرة فيها يقطنها ، ومن الأسف أن كل من تردد للقراءة عليه لم يصبر على صحبته لينتفع منه إذ يرون منه سرعة التأثر مما لا يوافق مشربه