محمد جمال الدين القاسمي
97
طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري
بخمسة آلاف قرش ، ولم يزل يشتد معه الحال إلى صباح ذلك النهار وهو يوم الأحد ، ففيه أسلم الروح الطاهرة بعد طلوع الشمس وذلك في ( 22 ) كانون الأول « 1 » ، وكان اليوم ممطرا موحلا والناس في الاجتماع لرؤيا محفل الحج ، فشاع الخبر في البلد ، وأعلم بنبئه في المآذن ، وطارت قلوب الناس جزعا ، وأرسل إلى أهله بعض الرؤساء أن يتمهلوا بتجهيزه ويخرجوا به من الدار الساعة الثامنة بعد الظهر « 2 » بساعة ، ففعل ذلك ، ودخلت جنازته إلى الجامع الأموي ونحن في انتظارها بعد الساعة الثامنة ، ولا تسل عن المجمع المحتشد من أهالي دمشق على طبقاتهم ، واحتمل السير به من الجامع إلى مقبرة الدحداح حيث واروه جدث الرحمة والرضوان أكثر من ساعة ، وعند دفنه هطلت السماء بالغيث المدرار ، وتذكرت قول من قال في مثل ذلك مطلع قصيدة : ( بكت السماء عليه ساعة دفنه ) ورجعت الأقوام والأسف والحزن يملأ قلوبهم « 3 » ، فرحمه اللّه ورضي عنه . وقد كان ، قدس سره ، له تودد للفقير زائد ، وبعد أن اكتفيت بما قرأته عليه من بعض الفنون الآلية لازمت مجالسه الحديثية صباح كل ثلاثاء وجمعة في « البخاري » و « مسلم » و « الموطأ » و « أبي داود » و « ابن ماجة » و « النسائي » زيادة عن نصفه ، وفيه اخترمته المنية . وكان درسه في الحديث المذكور غاصّا في داره بكبار الطلبة والنبلاء ، وكان يجلسني إلى جانبه ، وكثيرا يستطلع جوابي في بحث لطفا منه وتواضعا ، فإذا
--> ( 1 ) من سنة ( 1902 ) م . ( 2 ) يعني في الساعة الثامنة مساء وكان من عادة أهل الشام وسواهم من أهل البلدان الإسلامية في تلك الحقبة وما قبلها دفن الأموات ليلا . ( 3 ) في الأصل : « والحزن ملأ قلوبهم » .