محمد جمال الدين القاسمي

95

طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري

وبالجملة فإكبابه على التعليم والتدريس والإفادة والصبر على الطلبة وتكرير المسائل وتفهيمها أمر غريب ، كأنه قدّس سرّه شغف بهذه الحالة ، ولم يتولع بتأليف ، وإن كان جمع عنه بعض الطلبة كثيرا من التقارير والتحارير وتوضيحات المسائل جملة وافرة . وكان قوي الحافظة ، شديد الاستحضار للقواعد الصرفية والنحوية والمنطقية ، بحيث يكاد أن لا يغيب عن ذهنه كلية منها أو شاهد ، وإذا جرّ البحث في دروسه العامة لمسألة نحوية أو صرفية يفيض الكلام على أطرافها إفاضة غريبة ، وانتفع به من لا يحصى بحيث كاد أن لا يبقى أحد من غير أقرانه إلا وهو تلميذه أو تلميذ تلميذه . وفي سنة ( 1298 ) قصد الديار الحجازية ومرّ في ذهابه على مصر . ولقي أفاضلها . واستجاز من العلامة الشيخ عليش « 1 » مفتي المالكية ، ومن الأستاذ البناء في الإسكندرية ، ومن الشيخ أحمد [ بن زيني ] دحلان في مكة المشرفة ، وقدم على طريق البر . ولما توفي شيخنا المسند الشيخ سليم العطار سنة ( 1307 ) طلب شيخنا المترجم درسه في التكية السليمانية خميس شهري رجب وشعبان بحجة أنه وظيفة والده الشيخ حامد ، وأن النظام كان يقتضي توجيهه عليه أصالة لا على ابن أخيه المنوّه به ، فعورض بتوجيهه على ابن أخيه ببراءة سلطانية ، وأن النظام يقضي بتوجيهها على المتأهل لذلك من أولاده ، فترشح لذلك ولده الأكبر فلم يؤدّ الامتحان ، ثم استدعى شقيقه الأصغر منه فلم يؤدّ الامتحان أيضا ، فقضي الأمر بتوجيه الدرس المذكور على ولد له صغير ، وأن يكون شيخنا المترجم وكيلا عنه ريثما يتأهل ، وأن يكون معاش الدرس المذكور أثلاثا ، لشيخنا

--> ( 1 ) هو محمد بن أحمد بن محمد عليش أبو عبد اللّه ، من أهل طرابلس الغرب . مات سنة ( 1299 ) ه . انظر « الأعلام » ( 6 / 19 ) .