محمد جمال الدين القاسمي
86
طبقات مشاهير الدمشقيين من أهل القرن الرابع عشر الهجري
في سياحتي في صحبته إلى بيروت مرة وإلى منازه الغوطتين في كل عام مرارا ، يطيل القيام والركوع والسجود ، اقتفاء للهدي النبوي ، مجلّلا عند الخاصة والعامة ، محببا للكافة ، ويقصد لحلّ المشكلات ، سمحا بجاهه ، منتدبا لإغاثة الملهوف ، فيه دعابة ، وله شعر سليقي « 1 » ونثر حسن ، وله ذوق عربي غريب ، يقدر قدر البليغ من الكلام ، ويقضي بما حوى من رقة وانسجام ، مشربه الحديث والعمل به والدعوة إلى التمسك به والحث عليه ، ألوفا ، ودودا ، متواضعا ، حسن المحاضرة ، كثير المفاكهة والمطايبة ، يحفظ تواريخ المغرب ونوادره وجغرافيته البحرية والبرية ، ويعلم حالة العصر السياسية ويدري داءها ودواءها . وله فراسة في الوقائع السياسية عالية ، مما يشف على ذكاء الفؤاد ونباهة الخاطر . وكان لا يجيب دعوة من يعلم أن مكسبه حرام وإن اضطر إلى الحضور فلا يأكل بل يجلس على المائدة ويعتذر بأنه اضطر إلى طعام قبل حضوره ، وإن أكل في بعض الأحيان فيتقلل منه ثم يتصدق بقيمة ما أكل ، هكذا عادته ، يتأثر بها بعض الصوفية ، وكان يقابل زائريه بالبشاشة الزائدة واللقي المدهش ، ويرد الزيارة لمن زاره ، ولا يتملق الأعيان ، ولا يزور من لا يزوره منهم ، ولا يبالي بصدعهم بالحق في المحافل إذا اختلفوا ، وربما عوّل في صدعهم على اجتهاده ، وإذا جودل يحرر المسألة المتنازع فيها ويرشحها بالأدلة والبراهين . وكم له في ذلك من مقالات فائقة ، وله فتاوى عديدة في مواضيع مختلفة حسب الأسئلة التي كانت ترفع إليه يؤخذ منها فوائد كثيرة يعزّ وجودها في الأسفار النادرة ، كما أن له مصنّفات بديعة ، منها : كتاب على قول الإمام علي ، كرم اللّه
--> ( 1 ) يعني يعتمد في نظمه على السليقة لا على قوانين الشعر .