السيد جعفر الأعرجي

31

مناهل الضرب في أنساب العرب

من بني كنانة ، فقعد فيها ليلا ، فأغضبه ذلك وحلف ليهد منّ الكعبة ، فخرج ومعه جيش عظيم ، ومعه فيلة محمود وكان قوّيا عظيما ، وإثنا عشر فيلا غيره ، وقيل : ثمانية . فلمّا بلغ المغمس وهو على ثلثي فرسخ من مكّة ، مات دليله أبو رغال هناك ، فرجمت العرب قبره ، والناس يرجمونه إلى الآن ، ثمّ انّ أبرهة بعث خيلا له إلى مكّة ، فأخذت مائتي بعير لعبد المطّلب ، فهمّ أهل الحرم بقتاله ، ثمّ عرفوا أنّهم لا طاقة لهم به ، فتركوه وبعث أبرهة إلى أهل مكّة يقول لهم : انّي لم آت لحربكم وإنّما جئت لهدم هذا البيت ، فإن لم تتعرّضوا دونه بحربه ، فلا حاجة لي بدمائكم . فقال عبد المطّلب لرسوله : واللّه لا نريد حربه ، وما لنا به من حاجة ، هذا بيت اللّه وبيت رسوله وخليله إبراهيم ، فهو يحميه ممّن يريد هدمه . ثمّ خرج عبد المطّلب إلى أبرهة ، وكان عبد المطّلب جسيما وسيما ، ما رآه أحد إلّا أحبّه ، وكان مجاب الدعوة ، فقيل لأبرهة : هذا سيّد قريش الذي يطعم الناس في السهل ، ويطعم الوحش والطير في رؤوس الجبال . فلمّا رآه أجلّه وأجلسه معه على سريره ، ثمّ قال لترجمانه : قل له سل حاجتك ، فقال : حاجتي أن يرد الملك عليّ مائتي بعير أصابها إليّ ، فلمّا قال ذلك قال له أبرهة : قل له قد كنت أعجبتني حين رأيتك ، ثمّ زهدت فيك حين كلّمتني ، أتكلّمني في مائتي بعير ، وتترك بيتا هو دينك ودين آبائك قد جئت لهدمه ، فلم تكلّمني فيه . فقال عبد المطّلب : إنّي أنا ربّ الإبل ، وانّ للبيت ربّا سيمنعه منك ، فقال أبرهة : ما كان ليمتنع منّي ، فقال عبد المطّلب : أنت وذاك ، فردّ أبرهة على عبد المطّلب إبله ، ثمّ انصرف إلى قريش ، فأخبرهم الخبر ، وأمرهم بالخروج من مكّة إلى الجبال والشعاب .